بالضرورة . وإلا لم يتحصل معنى التعدد . وكلما اختلفت التعينات اختلفت الصفات الثابتة للذوات المتعينة ، لأن الصفة إنما تتعين وتنال تحققها الخاص بها ، بتعين ما يثبت له بالبداهة . فيختلف العلم والإرادة باختلاف الذوات الواجبة . إذ يكون لكل واحدة منها علم وإرادة يباينان علم الأخرى وإرادتها ويكون لكل واحدة علم وإرادة يلائمان ذاتها وتعينها الخاص بها . هذا التخالف ذاتيّ ، لأن علم الواجب وإرادته لا زمان لذاته من ذاته لا لأمر خارج . فلا سبيل إلى التغير والتبدل فيهما كما سبق . وقد قدمنا أن فعل الواجب إنما يصدر عنه على حسب علمه وحكم إرادته ، فيكون فعل كلّ صادرا على حكم يخالف الآخر مخالفة ذاتية . فلو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم وإراداتهم . وهو خلاف يستحيل معه الوفاق . وكل واحد بمقتضى وجوب وجوده وما يتبعه من الصفات ، له السلطة على الإيجاد في عامة الممكنات . فكل له التصرف في كل منها على حسب علمه وإرادته . ولا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون الأخرى . فتتضارب أفعالهم حسب التضارب في علومهم وإرادتهم ، فيفسد نظام الكون ، بل يستحيل أن يكون له نظام ، بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات . لأن كل ممكن لا بد أن يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم والإرادات المختلفة . فيلزم أن يكون للشيء الواحد وجودات متعددة وهو محال ف
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
لكن الفساد ممتنع بالبداهة . فهو جل شأنه واحد في ذاته وصفاته لا شريك له في وجوده ولا في أفعاله . انتهى .
وأشار حجة الإسلام الغزاليّ في كتاب ( الاقتصاد في الاعتقاد ) في بحث الوحدة ، إلى أن هذه الآية لا أبين منها في برهان التوحيد ، وأنه لا مزيد على بيان القرآن . قال الكلنبويّ : الفساد المذكور في هذه الآية إما بمعنى خروج السماء والأرض عن هذا النظام المشاهد من بقاء الأنواع وترتيب الآثار كما هو الظاهر . وإما بمعنى عدم تكونهما في الأصل كما قالوا . ثم إن كل من يخاطب بها يعرف أن منشأ الفساد هو تعدد الإله . فهي بعبارتها تنفي آلهة متعددة غير الواجب تعالى ، وبدلالتها تنفي تعدد الآلهة . انتهى .
وقوله تعالى
فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
أي من وجود شرك له فيهما والفاء لترتب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالدليل المتقدم . أي فسبحوه سبحانه اللائق به ، ونزهوه عما يفترون . وفيه تعجب ممن يشرك مع المعبود الأعظم البارئ لأعظم المكونات وهو العرش ، غيره ممن لا يقدر على شيء البتة .