القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 23 ]
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
أي هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه ، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلوه وحكمته وعدله ولطفه
وَهُمْ يُسْئَلُونَ
الضمير للعباد . أي يسئلون عما يفعلون كقوله :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الحجر : 92 - 93 ] .
قال الزمخشريّ : إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم ، تهيبا وإجلالا ، مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم ، كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم ، أولى بأن لا يسأل عن أفعاله ، مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بحكمة ، ولا يجوز عليه خطأ ، ثم قال
وَهُمْ يُسْئَلُونَ
أي هم مملوكون مستعبدون خطاءون . فما أخلقهم بأن يقال لهم : لم فعلتم ؟ في كل شيء فعلوه . انتهى .
قال ابن كثير : وهذه الآية كقوله تعالى :
وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
[ المؤمنون : 88 ] .
تنبيه :
قال الإمام الغزاليّ في ( المضنون به على غير أهله ) : وأما معنى قول اللّه تعالى
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
، وقوله تعالى :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
[ طه : 125 ] ، فالسؤال قد يطلق ويراد به الإلزام . يقال : ناظر فلان فلانا وتوجه عليه سؤاله . وقد يطلق ويراد به الاستخبار ، كما يسأل التلميذ أستاذه . واللّه تعالى لا يتوجه عليه السؤال بمعنى الإلزام . وهو المعنيّ بقوله
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
إذ لا يقال ( لم ) قول إلزام . فأما أن لا يستخبر ولا يستفهم ، فليس كذلك . وهو المراد بقوله :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى
. وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 24 ]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 )
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
كرره استعظاما لكفرهم ، وإظهارا لجهلهم ، وانتقالا