فلا يستلزم التعدد التمانع بالفعل بل بالإمكان . والإمكان لا يستلزم الوقوع ، فيجوز أن لا يقع بينهما ذلك التمانع بل يتفقان على إيجادهما . ورد عليه بأن إمكان التمانع يستلزم التمانع بالفعل في كل مصنوع بطريق إرادة الإيجاد بالاستقلال . وكلما لزم التمانع لم يوجد مصنوع أصلا . فإنه لو وجد على تقدير التمانع المذكور اللازم للتعدد فإما بمجموع القدرتين ، فيلزم عجزهما . أو بكل منهما فيلزم التوارد . أو بأحدهما فيلزم الرجحان من غير مرجح ، لاستواء نسبة كل ممكن إلى قدرة كل من الإلهين والكل محال ضرورة ، وحاصل الاستدلال أنه لو تعدد الآلهة لم يتكون مصنوع لأن التعدد مستلزم لإمكان التخالف المستلزم للتوارد أو العجز . فظهر أن الآية حجة قطعية لكون الملازمة فيها قطعية . وحقق بعضهم قطعية الملازمة بالعادة القاضية التي لم يوجد آخر منها قط في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة ، أن يطلب كلّ الانفراد بالملك والعلوّ على الآخر وقهره ، فكيف بالإلهين والإله يوصف بأقصى غايات التكبر ، فكيف لا يطلب الانفراد بالملك كما أخبر سبحانه بقوله
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
؟ وهذا إذا تؤمل لا تكاد النفس تخطر نقيضه بالبال ، فضلا عن إخطار فرضه ، مع الجزم بأن الواقع هو الآخر . فعلى هذا التقدير ، فالملازمة علم قطعيّ . هذا ملخص ما جاء في رد مقالة السعد في الحواشي . وقد شنع عليه في مقالته المتقدمة غير واحد . وبالغ معاصره عبد اللطيف الكرمانيّ في الانتقاد .
قال العلامة المرجانيّ : وقد سبقه في هذا أبو المعين النسفيّ في كتابه ( التبصرة ) وتابعه صاحب ( الكشف ) حيث شنع على أبي هاشم الجبائيّ تشنيعا بليغا . حتى نسبه إلى الكفر بقدحه في دلالة الآية قطعا على هذا المدعي ، ولا يخفى أن الأفهام لا تقف عند حد . ولا تزال تتباين وتتخالف ما اختلفت الصور والألوان ، ولا تكفير ولا تضليل ، ما دام المرء على سواء السبيل .
وقد أوضح بيان هذه الملازمة مفتي مصر في رسالة ( التوحيد ) إيضاحا ما عليه من مزيد ، وعبارته : ومما يجب له تعالى صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا . أما الوحدة الذاتية فقد أثبتناها فيما تقدم بنفي التركيب في ذاته خارجا وعقلا . وأما الوحدة في الصفة ، أي أنه لا يساويه في صفاته الثابتة له موجود ، فلما بيّنا من أن الصفة تابعة لمرتبة الوجود ، وليس في الموجودات ما يساوي واجب الوجود في مرتبة الوجود . فلا يساويه فيما يتبع الوجود من الصفات . وأما الوحدة في الوجود وفي الفعل ، ونعني بها التفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من إيجاد الممكنات ، فهي ثابتة ، لأنه لو تعدد واجب الوجود لكان لكل من الواجبين تعين يخالف تعين الآخر