تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
انتفاء المقدم قطعا . بيان الملازمة ؛ أن الإلهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييرا وتبديلا ، وإيجادا وإعداما وإحياء وإماتة . فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها ، وهو محال لاستحالة وقوع المعلول المعين بعلل متعددة . وإما بتأثير واحد منها ، فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعا ، . واعلم أن جعل التالي فسادهما بعد وجودهما ، لما أنه اعتبر في المقدم تعداد الآلهة فيهما . وإلا فالبرهان يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق . فإنه لو تعدد الإله ، فإن توافق الكل في المراد ، تطاردت عليه القدر ، وإن تخالفت تعاوقت . فلا يوجد موجودا أصلا . وحيث انتفاء التالي تعين انتفاء المقدم . انتهى . وتفصيله كما في ( المقاصد ) أنه لو وجد إلهان بصفات الألوهية ، فإذا أراد أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا ، فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أولا . وكلاهما محال . أما الأول فلأنه لو فرض تعلق إرادته بذلك الضد ، فإما أن يقع مرادهما وهو محال ، لاستلزامه اجتماع الضدين . أو لا يقع مراد واحد منهما ، وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين الموصوفين بكمال القدرة على ما هو المفروض ، ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروض امتناع خلوّ المحل عنهما ، كحركة جسم وسكونه في زمان معين ، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر وهو محال . لاستلزامه الترجيح بلا مرجح ، وعجز من فرض قادرا حيث لم يقع مراده . وهذا البرهان يسمى برهان التمانع . وإليه الإشارة بقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
فإن أريد بالفساد عدم التكوّن ، فتقريره أنه لو تعدد الإله لم تتكون السماء والأرض . لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما . والكل باطل . أما الأول فلأن من شأن الإله كمال القدرة . وأما الآخران فلما مرّ . وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام ، فتقريره أنه لو تعدد الإله لكان بينهما التنازع والتغالب . وتميز صنع كلّ عن صنع الآخر ، بحكم اللزوم العاديّ . فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام ، الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد . ويختل الانتظام الذي به بقاء الأنواع . وترتب الآثار ، انتهى . هذا وقد قيل : إن المطلب هنا برهانيّ ، والمشار إليه في الآية إقناعيّ . ولا يفيد العلم اليقينيّ فلا يصح الاستدلال بها على هذا المطلب ، وممن فصل ذلك التفتازانيّ في ( شرح العقائد النسفية ) قادحا لما أشار إليه نفسه في ( شرح المقاصد ) من كون الآية برهانا ، كما ذكرناه عنه . وملخص كلامه أن مجرد التعدد لا يستلزم الفساد بالفعل ، لجواز الاتفاق على هذا النظام ، أي بالاشتراك أو بتفويض أحدهما إلى الآخر