أن ما حكي من العذاب الهائل والعقاب النازل بأهل القرى ، من مقتضيات تلك الحكم ، ومتفرعاتها . عن حسب اقتضاء أعمالهم إياه . وإن للمخاطبين المقتدين بآثارهم ذنوبا مثل ذنوبهم . أي ما خلقناهما وما بينهما على هذا النمط البديع والأسلوب المنيع ، خالية عن الحكم والمصالح . وإما عبر عن ذلك باللعب واللهو ، حيث قيل
لاعِبِينَ
لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة .
بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره عنه تعالى . بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه . ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا التي هي الغاية القصوى ، بواسطة طاعتنا وعبادتنا . كما ينطق به قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ هود : 7 ] ، وقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 17 ]
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 )
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو . أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من عندنا . كديدن الجبابرة في رفع العروش وتحسينها ، وتسوية الفروش وتزيينها . لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة . فيستحيل اتخاذنا له قطعا . وقوله تعالى :
إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
جوابه محذوف دل عليه ما قبله . أي لاتخذناه . وقيل : إنّ ( إن ) نافية .
أي ما كنا فاعلين . أي لاتخاذ اللهو ، لعدم إرادتنا إياه . فيكون بيانا لانتفاء التالي ، لانتفاء المقدم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 18 ]
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 )
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
إضراب عن اتخاذ اللهو بل عن إرادته . وتنزيه منه لذاته العلية كأنه قال : سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب أو نريده ، بل من شأننا أن ندحض الباطل بالحق
فَيَدْمَغُهُ
أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية
فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
أي هالك بالكلية . وقد استعير لإرسال الحق على الباطل ( القذف ) الذي هو الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة . ولمحقه للباطل ( الدمغ ) الذي هو