تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
بأمره ، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار ، وأنه ألهم كلّ نفس فجورها وتقواها ، وأنه يهدي من يشاء بعدله وحكمته ، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه ، وأنه حال بين الكفار وقلوبهم - فإنه يحول بين المرء وقلبه - فكفروا به . ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه ، وأنه من يهده اللّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا . إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم ، وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن اللّه يفعل ما يريد .
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
. و ( القضاء والقدر ) عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى : الأولى - علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم . الثانية - كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض . الثالثة - مشيئته المتناولة لكل موجود ، فلا خروج لكائن عن مشيئته ، كما لا خروج له عن علمه . الرابعة - خلقه له وإيجاده وتكوينه ، فإنه لا خالق إلا اللّه ، واللّه خالق كل شيء . فالخالق - عندهم - واحد وما سواه فمخلوق . ولا واسطة - عندهم - بين الخالق والمخلوق . ويؤمنون - مع ذلك - بحكمته ، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه ، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه . وأن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته ، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره - كما تقوله نفاة الحكمة الذين يقرّون بلفظها دون حقيقتها - بل هي أمر وراء ذلك ، هي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده ولأجلها خلق فسوى وقدّر فهدى ، وأمات وأحيى ، وأشقى وأضلّ وهدى . ومنع وأعطى . وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها ، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات ، وهو محال ، إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة . فنفي الوسيلة - وهي الفعل - لازم لنفي الغاية وهي الحكمة . ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة ؛ إذ فعل لا يقوم بفاعله ، وحكمة لا تقوم بالحكيم - شيء لا يعقل . وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته . وهذا لازم لمن نفى ذلك ولا محيد له عنه ، وإن أبى التزامه . وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل ، لم يلزم من قوله محذور البتة ، بل قوله حق ، ولازم الحق حق ، كائنا ما كان .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 528 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود