تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
به كما اعترف به آدم . فمن أقرّ بالذنب وباء به ونزّه ربّه فقد أشبه أباه آدم ، ومن أشبه أباه فما ظلم . ومن برّأ نفسه واحتجّ على ربّه بالقدر فقد أشبه إبليس . ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية شرّ من القدرية النفاة . لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للربّ وتعظيما له أن يقدّر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب . ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة . بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه . . ونحو ذلك . كما يحكى عن بعض الجبرية إنه حضر مجلس بعض الولاة . فأتى بطرّار ( وهو الذي يقطع الهمايين أو الأكمام ويستلّ ما فيها ) . أحول . فقال له الوالي : ما ترى فيه ؟ فقال : اضربه خمسة عشر - يعنى سوطا - فقال له بعض الحاضرين - ممّن ينفي الجبر - بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا : خمسة عشر لطرّه ومثلها لحوله . فقال الجبريّ : كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه ؟ فقال : كما يضرب على الطرّ ولا صنع له فيه ، عندك . . فبهت الجبري . وأما ( القدرية الإبليسية والمشركية ) فكثير منهم منسلخ عن الشرع ، عدوّ للّه ورسله ، لا يقرّ بأمر ولا نهي ، وتلك وراثة عن شيوخه الذين قال اللّه فيهم :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 148 ] ، وقال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ، كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[ النحل : 35 ] . وقال تعالى :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
[ الزخرف : 20 ] . وقال :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ يس : 47 ] ، فهذه أربعة مواضع في القرآن بيّن سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل . وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق : الفرقة الأولى : جعلت هذه الحجة حجة صحيحة ، وأنّ للمحتج بها الحجة على اللّه . ثم افترق هؤلاء فرقتين : ( فرقة ) كذبت بالأمر والوعد والوعيد ، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد ، بعد هذا ، يكون ظلما ، واللّه لا يظلم من خلقه أحدا ! و ( فرقة ) صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت : ليس ذلك بظلم . واللّه يتصرف في ملكه كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه ، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده . إذ العبد لا فعل له ، والملك ملكه ولا يسأل عما