تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
قدرة اللّه . واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال : إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر . ولهذا ، كان المنكرون للقدر فرقتين : فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته ، وهم غلاتهم الذين كفّرهم السلف والأئمة وتبرّأ منهم الصحابة . وفرقة جحدت كمال القدرة ، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة للّه تعالى ، وصرّحت بأنّ اللّه لا يقدر عليها . فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب ، وأنكرت الأخرى كمال علمه . وقابلهم الجبرية : فجاءت على إثبات القدرة والعلم ، وأنكرت الحكمة والرحمة . ولهذا ، كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الربّ وعزته وحكمته . ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين من هذه الثلاثة كثيرا ، كقوله :
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
[ النمل : 6 ] ، وقال :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ غافر : 2 ] ، وقال :
حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *
[ الجاثية : 2 ] ، وقال في ( حم فصّلت ، بعد ذكر تخليق العالم ) :
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *
[ فصلت : 12 ] ، وذكر نظير هذا في ( الأنعام ) فقال :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ الأنعام : 96 ] . فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته . وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدّمه عليه . وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها ، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للربّ سبحانه . وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته ، فهو عليم بخلقه وأمره ، حكيم في خلقه وأمره . ولهذا ، كان ( الحكيم ) من أسمائه الحسنى . فالحكمة من صفاته العلى ، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة ، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة . والحكمة هي سنة الرسول ، وهي تتضمّن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به . فكلّ هذا يسمّى حكمة . وفي الأثر « 1 » : الحكمة ضالّة المؤمن . و في الحديث « 2 » : « إنّ من الشعر حكمة » . فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته ، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده . وهو محمود على جميع ما في
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : العلم ، 19 - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ، ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « الحكمة ضالة المؤمن . فحيث وجدها ، فهو أحق بها » . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الأدب ، 90 - باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداد وما يكره منه ، حديث 2353 ، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال « إن من الشعر حكمة » .