تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
والمقصود : أن ورثة الرسل وخلفاءهم - لكمال ميراثهم لنبيهم - آمنوا بالقضاء القدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره ، وقاموا - مع ذلك بالأمر والنهي ، وصدّقوا بالوعد والوعيد : فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة . وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب ؛ فصدّقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما بنفي لوازمهما - كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر - وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبويّ ، و
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
. واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة ، لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولبّ العالم ، وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلالا . فإن القدرية تؤمن بلفظ ( القدر ) ، ومنهم من يرده إلى العلم ، ومنهم من يرده إلى الأمر الدينيّ ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة اللّه لأفعال عباده بأمره لهم بها ، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر . وكذلك ( الحكمة ) فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها ، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته لمراده تعالى ، فهي - عندهم - وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته . . والقدرية النفاة لا يرضون بهذا ، بل يرتفعون عنه طبقة ، ويثبتون حكمة زائدة على ذلك ، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ، ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته ، كما قالوا في كلامه وإرادته . فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ ( الحكمة ) وجحدوا معناها وحقيقتها . وكذلك ( الأمر ) و ( الشرع ) فإن من أنكر كلام اللّه وقال : إن اللّه لم يتكلم ولا يتكلم ، ولا قال ولا يقول ، ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا ، وجميع الكائنات محبوبة له ، وما لم يكن فهو مكروه له ، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر . ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية . ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ، ولكن مشى الحال بعض الشيء بتناقضهم ، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها . والمقصود : أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد ، حقيقة الإيمان ، إلا أتباع الرسل وورثتهم . والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته . ولهذا قال الإمام أحمد : القدر