تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
يفعل وهم يسألون . فإنّ هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة - التي حكاها اللّه عنهم - استهزاء منهم ، ولو قالوا - اعتقادا للقضاء والقدر ، وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته - لم ينكر عليهم . ومضمون قول هذه الفرقة إنّ هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد - لا على جهة الاستهزاء - فيكون للمشركين على اللّه الحجّة ، وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا . الفرقة الثانية : جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة - وكان اللّه قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان - لكانوا قد قالوا الحق ، وكان اللّه يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم . فحيث وصفه بالخرص - الذي هو الكذب - ونفى عنهم العلم ، دلّ على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح ، وأنهم كاذبون فيه ؛ إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به ، ولم يقل لهم : هل عندكم من علم . وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر ، وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء ، ويشاء ما لا يكون ، وإنه لا قدرة له على أفعال عبادة من الإنس والجن والملائكة ، ولا على أفعال الحيوانات . وإنه لا يقدر أن يضل أحدا ، ولا يهديه ، ولا يوفقه أكثر مما فعل به ، ولا يعصمه من الذنوب والكفر ، ولا يلهمه رشده ، ولا يجعل في قلبه الإيمان ، ولا هو الذي الذي جعل المصلّي مصليا والبرّ برّا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر كافرا . بل هم جعلوا أنفسهم كذلك . فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر . فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع . والثانية تحيزت إلى الشرع ، وكذبت القدر . والطائفتان ضالتان ، وإحداهما أضلّ من الأخرى . و ( الفرقة الثالثة ) : آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي . ونزّلوا كلّ واحد منزلته : فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتجّ به ، والأمر والنهي يمتثل ويطاع . فالإيمان بالقضاء والقدر - عندهم - من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا اللّه . والقيام بالأمر . والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول اللّه . وقالوا : من لم يقرّ بالقضاء والقدر ، ويقم بالأمر والنهي فقد كذّب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه . ثمّ افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين : ( فرقة ) قالت : إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك . فجعلوا مشيئته له وتقديره له ، دليلا