الكون من خير وشرّ حمدا استحقه لذاته ، وصدر عنه خلقه وأمره . فمصدر ذلك كله عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة ، واللّه أعلم . انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه ، في خلال بعض فتاويه ، في حقيقة الاحتجاج بالقضاء والقدر ، ما نصّه :
وإن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد الربوبية . حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
الآية ؛ فإن هؤلاء المشركين لمّا أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي ، وأنكروا التوحيد - الذي هو عبادة اللّه وحده لا شريك له - وهم يقرّون بتوحيد الربوبية وأن اللّه خالق كل شيء ، ما بقي عندهم من فرق ، من جهة اللّه تعالى ، بين مأمور ومحظور فقالوا :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
، وهذا حق . فإن اللّه لو شاء أن لا يكون هذا لم يكن . ولكن أيّ فائدة لهم في هذا ؟ غايته أن هذا الشرك والتحريم بقدر ، ولا يلزم إذا كان مقدرا أن يكون محبوبا مرضيّا للّه . ولا علم عندهم بأن اللّه أمر به ولا أحبه ولا رضيه ، بل ليسوا في ذلك إلّا على ظنّ وخرص . انتهى .
وقال بعض المحققين في حقيقة العقيدة :
ثبت بالبرهان أنّ قدرة اللّه تعالى متصرفة في الممكنات عن إرادة واختيار . وأن الإرادة لا تخرج عما ينكشف بالعلم من مواقع الحكمة ، ووجوه النظام . وأنه خالق كلّ شيء وإليه يرجع الأمر كله . ومن الممكنات التي اقتضتها الحكمة والنظام وجود مخلوق ذي قدرة وإرادة وعلم ، يعمل بقدرته ما تنبعث إليه إرادته بمقتضى علمه بوجوه المصلحة والمنفعة لنفسه ، وهو الإنسان . وهذا - عند البعض - هو معنى كونه خليفة اللّه في الأرض يعمرها ويظهر حكمة اللّه وبدائع أسراره فيها ، ويقيم سننه الحكمية حتى يعرف كماله بمعرفة كمال صنعه . ولا يزال الإنسان يظهر الآيات من هذه المكونات آنا بعد آن ، ولا يعلم مبلغه من ذلك إلّا اللّه تعالى . والمشهور أن الخلافة خاصة بأفراد من الإنسان وهم الأنبياء عليهم السلام . ولا يستلزم واحد من القولين أن اللّه تعالى استخلفهم لحاجة به إلى ذلك . حاشاه .
قال البيضاوي ( في بيان أن كلّ نبيّ خليفة ) : استخلفهم في عمارة الأرض ، وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وتنفيذ أمره فيهم - لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه - بل لقصور المستخلف عليه من قبول فيضه وتلقّي أمره بغير وسط . ولذلك لم يستنبئ ملكا كما قال :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] . انتهى .