على رضاه به ومحبته له . إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه وبينهم . فإنّ الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه ، دفعه ومنع من وقوعه . وإذا لم يمنع من وقوعه ، لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته . وكلاهما ممتنع في حق اللّه . فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به .
وقد وافق هؤلاء من قال : إنّ اللّه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها .
ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها ، فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر .
وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين ، وأن مشيئة اللّه تعالى وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكلّ ما شاءه وقدّره .
وهؤلاء المشركون - لمّا استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه - كذبهم وأنكر عليهم ، وأخبر أنه لا علم لهم بذلك ، وأنهم خارصون مفترون . فإن محبة اللّه للشيء ورضاه به ، إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله ، لا بمجرد خلقه . فإنه خلق إبليس وجنوده - وهم أعداؤه - وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه . . فهكذا في الأفعال . خلق خيرها وشرها وهو يحبّ خيرها ويأمر به ويثيب عليه . ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه . وكلاهما خلقه . وللّه الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه ، من الذوات والصفات والأفعال ، كلّ صادر عن حكمته وعلمه ، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته . .
وقالت الفرقة الثانية : إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر ، ودفع الأمر بالمشيئة . فلما قامت عليهم حجة اللّه ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره .
فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ، ودفعا لما جاءوا به . وشاركهم في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم ، وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي .
فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام ، وورث كلّ قوم أئمتهم وأسلافهم ، إما في جميع تركتهم ، وإما في كثير منها ، وإما في جزء منها . وهدى اللّه بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه ، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض ، بل آمنوا بقضاء اللّه وقدره ومشيئته العامة النافذة ، وأنه ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد ، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا ، وجعل أئمة الهدى يهدون
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 527
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص٥٢٧