الوعيد ، ويعفو عن بعضها بحكم الوعد . فهم - في ذلك - يصدّقون اللّه فيما دلّ عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء .
والكفرة يكذّبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى . انتهى .
فصل
قال الإمام شمس الدين ابن القيّم الدمشقي رحمه اللّه في كتابه ( طريق الهجرتين ) بعد أن أطال في سرد أحاديث القدر وآثاره ، ما نصّه :
فالجواب أنّ هاهنا مقامين : مقام إيمان وهدى ونجاة ، ومقام ضلال وردى وهلاك ، زلّت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء .
فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة ، فمقام إثبات القدر والإيمان به ، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها ، وأنّ ما شاء كان وإن لم يشأ الناس . وما لم يشأ لم يكن ، وإن شاء الناس . وهذه الآثار - التي كلها تحقق هذا المقام - تبيّن أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ، ولبس جلباب الشرك ، بل لم يؤمن باللّه ولم يعرفه . وهذا في كل كتاب أنزله اللّه على رسله .
وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على اللّه ، وحمل العبد ذنبه على ربّه ، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمّارة بالسوء ، حتى يقول قائل هؤلاء :
ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له : * إيّاك ! إيّاك ! أن تبتلّ بالماء
ويقول قائلهم :
دعاني وسدّ الباب دوني . فهل إلى * دخولي سبيل ؟ بيّنوا لي قصّتي
ثم ساق - رحمه اللّه - قصصا غريبة في ذلك ، ثم قال :
وسمعته - يعني شيخ الإسلام ابن تيميّة - يقول :
القدرية المذمومون في السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة : نفاة القدر وهم ( القدرية المجوسيّة ) . والمعارضون به للشريعة الذين قالوا :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
وهم ( القدرية المشركية ) . والمخاصمون به للربّ سبحانه وتعالى وهم أعداء اللّه وخصومه وهم ( القدرية الإبليسية ) وشيخهم إبليس . وهو أول من احتج على اللّه بالقدر فقال :
فَبِما أَغْوَيْتَنِي
[ الأعراف : 16 ] . ولم يعترف بالذنب ويبؤ