تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
عن أهل السنة - في قوله تعالى :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
- إلى قوله تعالى :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
. وتتمة الآية ردّ صراح على ( طائفة الاعتزال ) القائلين بأنّ اللّه تعالى شاء الهداية منهم أجمعين . فلم تقع من أكثرهم ! ووجه الردّ : أن ( لو ) إذا دخلت على فعل مثبت نفته ؛ فيقتضي ذلك أن اللّه تعالى لما قال
فَلَوْ شاءَ
لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم . ولو شاءها لوقعت . فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحلّ عقدهم . فإذا ثبت اشتمال الآية على ردّ عقيدة الطائفتين المذكورتين - المجبرة في أوّلها والمعتزلة في آخرها - فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنّة منطبقة عليها . فإن أوّلها - كما بيّنا - يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان ، وآخرها يثبت نفوذ مشيئة اللّه في العبد ، وأنّ جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية ، خيرا أو غيره . وذلك عين عقيدتهم . فإنهم - كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة - يسلبون تأثيرها ، ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجّته ، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره . ويثبتون نفوذ مشيئة اللّه أيضا وقدرته في أفعال عباده . فهم - كما رأيت - تبع للكتاب العزيز : يثبتون ما أثبت ، وينفون ما نفى ، مؤيدون بالعقل والنقل . واللّه الموفق . انتهى . وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قيل له : إن ناسا يقولون : ليس الشرّ بقدر . فقال ابن عباس : بيننا وبين أهل القدر هذه الآية :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 148 ] . . - إلى قوله
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
. وبتحقيق هذه الوجوه يسقط قول الطبرسي المعتزلي : لو كان الأمر على ما قاله أهل الجبر - من أن اللّه تعالى شاء منهم الكفر - لكانت الحجة للكفّار على اللّه ، من حيث فعلوا ما شاء اللّه ، ولكانوا بذلك مطيعين له . لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد ، ولا تكون الحجة للّه عليهم على قولهم ، من حيث إنه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر . فأيّ حجّة له عليهم مع ذلك ؟ انتهى . وكذا قول الزمخشري : ما حكي عن المشركين كمذهب المجبرة بعينه . ولذا قال النحرير : نعم ! هو كمذهبهم في كون كلّ كائن بمشيئة اللّه . لكن الكفرة يحتجّون بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح . وكونها ليست بمعصية لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر ، على ما هو مذهب القدرية : من عدم التفرقة بين المأمور والمراد ، وأنّ كلّ ما هو مراد للّه فهو ليس بمعصية منهي عنها . والمجبرة - وإن اعتقدوا أن الكلّ بمشيئة اللّه - لكنهم يعتقدون أن الشرك وجميع القبائح معصية ومخالفة للأمر يلحقها العذاب بحكم
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 523 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود