تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن . انتهى . الوجه السادس : ما في ( لباب التأويل ) من أنه قيل في معنى الآية : أنهم كانوا يقولون الحقّ بهذه الكلمة - وهو قولهم
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
- إلّا أنهم كانوا يعدّونه عذرا لأنفسهم ، ويجعلونه حجّة لهم في ترك الإيمان . والردّ عليهم في ذلك : أنّ أمر اللّه بمعزل عن مشيئته وإرادته ؛ فإن اللّه تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد ، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته ، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به ، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره بالإيمان . وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع . فالحاصل : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة اللّه تعالى في شركهم وكفرهم ، فأخبر اللّه تعالى أنّ هذا التمسك فاسد باطل ، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة للّه تعالى في كلّ الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام . انتهى . الوجه السابع : ما قرره الناصر في ( الانتصاف ) : إنّ الرد عليهم إنّما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم ، وإنّ إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار ، وزعموا أنّهم يقيمون الحجّة على اللّه ورسله بذلك . فردّ اللّه قولهم وكذبهم في دعواهم - عدم الاختيار لأنفسهم - وشبّههم بمن اغترّ قبلهم بهذا الخيال فكذب الرسل . وأشرك باللّه ، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كلّه بمشيئة اللّه ، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة . ثم بيّن اللّه تعالى أنهم لا حجّة لهم في ذلك ، وأن الحجة البالغة له لا لهم ، بقوله
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
. ثم أوضح تعالى أنّ كل واقع بمشيئته ، وإنه لم يشأ منهم إلّا ما صدر عنهم . وأنه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
: والمقصود من ذلك : أن يتمحّض وجه الردّ عليهم ، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة ، وعموم تعلقها بكلّ كائن عن الرّد ؛ وينصرف الرّد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم ، وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة . وإذا تدبّرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة . بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها . وهم الفرقة المعروفون ب ( المجبرة ) . والزمخشري يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة ، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية . فمن هذه الجهة سوّى بينهم وبين المجبرة ، ويجعله لقبا عامّا لأهل السنة . وبإجماع الردّ على المجبرة - الذين ميزناهم