علاوات لتفسير قصة نوح عليه السّلام
العلاوة الأولى ، البلاغة الفنية في الآية 43
سبق لنا أن قلنا في الكلام على إعجاز القرآن ببلاغته ومذهب المتكلمين وأدباء الفنون في التحدي به : إن هذا النوع من الاعجاز يقلّ من يفقهه في هذا العصر لفقد أهله ملكتي البلاغة الذوقية السليقية والبيانية الفنية بله الجمع بينهما ، وهو ضروري لإدراك هذا النوع من الاعجاز ، وإن من يفقهه ويدرك عدم استطاعة أحد أن يأتي بسورة مثله قد يخفى عليه وجه دلالته على أنه لا بد أن يكون وحيا من اللّه تعالى وحجة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك جزموا بوقوع العجز واختلفوا في وجه الدلالة ، فمثلهم كمثل حداق الفنانين في الوشي والتطريز إذا رأوا صنع قدماء الهنود من أهل لاهور وكشمير وأقروا بالعجز عن محاكاته ، والمصورين إذا رأوا أدق صور رفائيل في تصوير الانسان بأدق مناظر أعضائه وشمائله وملامح صفاته النفسية وامارات انفعالاته ولا سيما المتقاربة كالخوف والفزع والحزن والغم والغضب ونظر الاقرار ونظر الانكار ونظر الشهوة ونظر العطف والرحمة ونظر الاعجاب والعجب ونظر المتفكر والمتحير ، فقد يقرون بعجزهم عن محاكاتها ولكنهم لا يقولون بعدم إمكانها ، بل يقولون بامكانها وبقرب وقوعها بالفعل إذا وجدت الداعية القوية كمنفعة مالية كبيرة أو مصلحة قومية أو دولية عظيمة
ومن المعلوم من تاريخ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع فصحاء قريش وغيرهم أنه حدثت لهم أعظم الدواعي والمصالح لمعارضة القرآن بعد تحديهم بسورة مثله مطلقا والتحدي بعشر سور في المكرر ولو مفترى ، فأيقنوا بعجزهم عن لاتيان بها وبهن ، ولو ظاهرهم عليه جميع الانس على كثرة بلغائهم وفصحائهم ، والجن الذين يعتقدون أن منهم هواجس تلقنهم الشعر من حيث لا يرونهم ، وكذا آلهتهم القادرون بخصائصهم الغيبية أو بمكانتهم عند اللّه تعالى على كل ما يريدون في هذا العالم بزعمهم ، قد عجزوا مع هذا كله واضطروا إلى مقاومة النبي بالقتال ، وما أعقبهم من خسارة المال ، وسبي النساء والأطفال ، ثم ما هو أشد عليهم وهو احتمال الذل