والنكال ، وروي أن كبراءهم عزموا على التعاون على المعارضة واستعدوا لها فسمعوا هذه الآية
( وَقِيلَ يا أَرْضُ )
فتضاءلت قواهم واستخذت أنفسهم ورجعوا عن عزمهم ، كما يأتي قريبا
عرف بلغاء قريش من بلاغة هذه الآية الروحية الكامنة في فصاحتها اللفظية الظاهرة وغيرها ما لم يعرفه بلغاء الفنون بعدهم منها ، فكان هؤلاء أعلم بما للحسن والجمال الصوري في الكلام من المقاييس الفلسفية والموازين الفنية ودرجات الراجح على المرجوح . وكان أولئك أدق شعورا بما لهذا الحسن والجمال من السلطان على القلوب والحكم على العقول . مثال ذلك ان للجمال البدني في حسان النساء مقابيس وموازين لتناسب الأعضاء بعضها مع بعض يمكن ضبطها ، والعدل في الحكم بينها . وأما الجمال المعنوي وهو خفة الروح وسلطان التأثير في القلوب ، فليس له مقياس ولا ميزان عشري يضبط به وزنه أو مساحته فيعرف الراجح من المرجوح ، وإنما يعرف هذا الجمال الا على بملكة نفسية ، لا بأوزان صناعية ، كما قال أبو الطيب في الخيل : -
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها * وأعضائها فالحسن عنك مغيب « 1 »
وإنما أحدث القرآن في الأمة العربية ما أحدث من الثورة الدينية والاجتماعية والانقلاب العالمي بالنوع الثاني من ادراك بلاغته لا الأول ، وكل منها كامل في بابه ، كما بينا ذلك في موضعه من عهد قريب ، وان كثرة البحث في الثاني ليشغل المفسر والمتدبر عن الأول الخاص منه بالهداية وإصلاح النفس وتزكيتها ، ولهذا نقتصر منه في تفسيرنا على ما قصر فيه المفسرون باختصار لا يشغل عن الهداية المقصودة بالذات ، وقد نجعله من باب الاستطراد بعد بيان معنى الآية أو الآيات ، ولهذا جعلت ما أحببت بيانه في بلاغة هذه الآية الفنية علاوة من هذه العلاوات ، وقد أطال العلماء الأخصائيون فيها حتى أفردها بعضهم بمصنفات خاصة ، وتكلم صاحب ( الطراز في علوم الاعجاز ) عليها في 25 صفحة ، ولعله أحسنهم فيها كلاما ،
هامش
( 1 ) الشيات جمع شية بالكسر من الوشي وهو التزيين ( كعدة وعدات ) وهي في الخيل وغيرها من الحيوان اللون المخالف للونها الأصلي كالسواد في البياض وعكسه