استدلال بها على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد وردت كل منهما مفصولة مما قبلها غير معطوفة عليه . ولولا الفصل بين الأولى وبين آية
( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ )
لما بيناه من الحكمة في ذلك لكان الوجه أن تعطف عليها إما مع إعادة القيل واما بدونه بأن يقال : ويا نوح اهبط بسلام منا ، ولكن الفصل بالآيات الثلاث في مسألة نوح وولده صار مانعا من الوصل بما قبله ، ومقتضيا أن تذكر مفصولة على الاستئناف البيانيّ الذي هو جواب عن سؤال مقدر ، وأن يبدأ بفعل « قيل » المجهول ، لأنه هو المتعين المعلوم
* * *
48
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا
أي قال اللّه عز وجل الذي بيده ملكوت كل شيء وعالم الغيب والشهادة ومدبر أمر العالم كله لنوح بعد انتهاء أمر الطوفان ، واقلاع السماء عن إمطارها ، وابتلاع الأرض لمائها ، وامكان السكنى والعمل على ظهرها : يا نوح اهبط من السفينة أو من الجودي الذي استوت عليه إلى الصفصف المستوي منها ، ملابسا أو مزودا وممتعا بسلام من عظمتنا ورحمتنا الربانية وهو التحية والسلامة من الفتن والعداوة التي أحدثها المشركون الظالمون فيها
وَبَرَكاتٍ
في المعايش وسعة الرزق فائضة
عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
أي وعلى من معك الآن في السفينة وعلى ذريات يتناسلون منهم ويتفرقون في الأرض ، فيكونون أمما مستقلا بعضهم دون بعض ، وهم ممتعون بهذا السّلام المعنوي والبركات المادية ، ويجوز أن يشمل لفظ الأمم ما كان مع نوح من أنواع الحيوان فقد قال تعالى
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ )
وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ
أي وثم أمم آخرون من بعدهم سنمتعهم في الدنيا بارزاقها وبركاتها دون السّلام الرباني ، الممنوح من الالطاف الرحماني ، لسليمي الفطرة من المؤمنين ، فان أولئك سيغويهم الشيطان الرجيم ، ويزين لهم الشرك بربهم ، والظلم والبغي فيما بينهم ،
ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
في الدنيا والآخرة لأنهم لا يحافظون على السّلام