جهات بلاغة الآية الأربع ، أولها جهة علم البيان
ذكر العلامة السكاكي ان النظر فيها من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة . ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية : أما النظر فيها من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بذلك من القرينة والترشيح والتعريض ، فهو أنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض ، وأن نقضي أمر نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضي ، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت ، وأبقينا الظلمة غرقى - بنى سبحانه الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته من الآمر - العصيان ، وتشبيه تكوين المراد بالامر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره سبحانه العظيم ، وان هذه الأجرام العظيمة من السماوات والأرض تابعة لإرادته تعالى إيجادا وإعداما ، ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا ، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه جل شأنه حق معرفته ، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لامره ، والاذعان لحكمه ، ويحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ، وتصوروا مزيد اقتداره ، فعظمت مهابته في نفوسهم ، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم ، فكما يلوح لهم إشارته سبحانه كان المشار اليه مقدما ، وكما يرد عليهم أمره تعالى شأنه كان المأمور به متمما ، لا تلقى لاشارته بغير الامضاء والانقياد ، ولا لأمره بغير الاذعان والامتثال
« ثم بنى على مجموع التشبيهين نظم الكلام فقال جل وعلا ( قيل ) على سبيل المجاز عن الإرادة من باب ذكر المسبب وإرادة السبب ، لان الإرادة تكون سببا لوقوع القول في الجملة ، وجعل قرينة هذا المجاز خطاب الجماد وهو ( يا أرض - ويا سماء ) إذ يصح أن يراد حصول شيء متعلق بالجماد ولا يصح القول له . ثم قال سبحانه كما ترى (
يا أَرْضُ
،
وَيا سَماءُ
) مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور . والظاهر أنه أراد أن هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبه اعني السماء والأرض المراد منهما