تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
أهلّه الذين وعده بنجاتهم فقال
( وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ )
ولا يعزب عن علمه ان الذين سبق عليهم القول هم الكافرون الذين قضى اللّه بهلاكهم بعد دعائه عليهم بقوله
( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً )
وكانت امرأته وابنه هذا منهم ، ولا يعقل أن يخفى عليه أمرهما ؟ ولكن امرأته لم تذكر في قصته وانما ذكرت في سورة التحريم مع امرأة لوط في خيانة زوجيهما ودخولهما النار ، واستثنيت امرأة لوط من النجاة مع المؤمنين في قصته . ( قلنا ) يحتمل أن يكون حين رأى ابنه بمعزل عن الكفار ، ظن أنه قد بدا له في كفره فكرهه وجنح للإيمان ، ويحتمل أن يكون قد فهم أنه غير داخل في عموم قوله تعالى له
( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ )
لأنه تعالى جعل الناجين قسمين أهله إلا من استثنى ، ومن آمن من قومه ، فجاز في فهمه أن يؤمن من أهله من كان كافرا لأنهم قسيم لقومه لا قسم منهم ، ووافق هذا الفهم وقواه رحمة الأبوة فسأل اللّه تعالى أن يحققه ، ولما كان هذا اجتهادا ظنيا لا يليق بنبي رسول من أولي العزم أن يخاطب به ربه عاتبه تعالى وأدبه عليه بقوله
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي فلا تسألني في شيء ما من الأشياء ليس لك به علم صحيح انه حق وصواب ، سمى دعاءه سؤالا لأنه تضمن ذكر الوعد بنجاة أهله وما رتبه عليه من طلب نجاة ولده ، وقرأ ابن كثير تسألن بفتح اللام وتشديد النون المفتوحة ، وابن عامر يتشديدها مكسورة وكذا نافع مع اثبات الياء . وهذا النهي يدل على أنه يشترط في الدعاء أن يكون بما هو جائز في شرع اللّه وسننه في خلقه ، فلا يجوز سؤال ما هو محرم وما هو مخالف لسنن اللّه القطعية بما يقتضي تبديلها ولا تحويلها وقلب نظام الكون لأجل الداعي ، ولكن يجوز الدعاء بتسخير الأسباب ، وتوفيق الاقدار للاقدار ، والهداية إلى العلم بالمجهول من السنن والنظام . مع ما يؤدي إلى ذلك من الاعمال - كما فصلناه من قبل
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
أي أنهاك أن تكون من زمرة الجاهلين الذين يسألون أن يبطل تعالى تشريعه أو حكمته وتقديره في خلقه إجابة لشهواتهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 85 | الشيخ محمد رشيد رضا