تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وأهوائهم في أنفسهم أو أهليهم ومحبيهم . وأجهل منهم وأضل سبيلا من يسألون بعض الصالحين عندهم ما نهى اللّه عنه نبيا من أولي العزم من رسله أن يسأله إياه ، كأن هؤلاء الصالحين يعطونهم أو يتوسلون إلى اللّه أن يعطيهم ما لم يعط مثله لرسله ، بل ما عد طلبه منه ذنبا من ذنوبهم أمرهم بالتوبة منه وعدم العودة إلى مثله كما يدل عليه الوعظ هنا بمعونة قوله تعالى ( 24 : 17
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
) وتقدم معنى الوعظ في تفسير ( 10 : 57 ص 400 ج 11 ) * * * 47
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
أي إني أعتصم وأحتمي بك من أن أسألك بعد الآن ما ليس لي علم صحيح بأنه جائز لائق
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
أي وان لم تغفر لي ذنب هذا السؤال الذي سولته لي رحمتي الأبوية ، وطمعي برحمتك الربانية
وَتَرْحَمْنِي
بقبول توبتي الصادقة ورحمتك التي وسعت كل شيء
أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
فيما حاولته من الربح بنجاة أولادي كلهم وسعادتهم بطاعتك وأنت أعلم بهم مني والعبرة في هذه المسألة من وجوه ( أولها ) ان سؤال نوح عليه السّلام ما سأله لابنه لم يكن معصية للّه تعالى خالف فيها أمره أو نهيه ، وانما كانت خطأ في اجتهاد رأي بنية صالحة ، وإنما عدها اللّه تعالى ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه ، هبطت بضعفه البشري وما غرس في الفطرة من الرأفة والرحمة بالأولاد إلى اتباع الظن ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن ، بما يصعدون به في معارج العرفان ، ( ثانيها ) ان الايمان والصلاح لا علاقة له بالوراثة والانساب ، وقد يختلف باختلاف استعداد الافراد ، وما يحيط بهم من الأسباب ، وما يكونون عليه من الآراء والاعمال ، ولو كان بالوراثة لكان جميع ولد آدم كأبيهم ، غاية ما يقع منهم معصية تقع عن النسيان وضعف العزم ، وتتبعها التوبة واجتباء الرب ، ثم لكان سلائل أبناء نوح المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة كلهم مؤمنين صالحين ، والمشهور أن نسل البشر انحصر فيهم ، وقد دلت الآية الآتية على أن فيهم