تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
أحدهما باب الإلهيات بما فيها من حكم اللّه وعد له وسنته في خلقه بلا محاباة لولي ولا نبي ، وثانيهما اجتهاد الأنبياء وجواز الخطأ فيه وعده ذنبا عليهم بالإضافة إلى مقامهم ومعرفتهم بربهم ، - وهي ما عرض له عليه السّلام من الاجتهاد في أمر ابنه الذي تخلف عن السفينة وكان من المغرقين كما مرّ في الآية 43 وكان ظاهر الترتيب أن تجعل بعدها فتكون 44 ووجه هذا التقديم والتأخير بينهما الذي اقتضته البلاغة العليا ، والحكمة البالغة المثلى ، هو أن قدمت الآية المتممة لأصل القصة المبينة لوجه العبرة فيها بأروع التعبير ، الذي يقرع أبواب القلوب بأبلغ قوارع التأثير ، فكان اتصالها بها كاتصال الموجب بالسالب من الكهربائية الذي يتولد به البرق الذي يخطف الابصار ، والصاعقة التي تمحق ما تصيبه من الأشياء والاشخاص ، فالآية الثالثة والأربعون تصور لقارئها وسامعها نكبة الطوفان بأعظم الصور هولا ورعبا ودهشا تطيش لها الألباب ، وتحار في تصور كشفها وما يؤول اليه أمرها الاخيلة والافكار ، فتتلوها الآية الرابعة والأربعون فتكون الفاصلة بكشف ذلك الكرب العظيم بكلمتين وجيزتين من كلمات التكوين الإلهي قضي بهما الامر بنجاة المؤمنين الصالحين ، وهلاك المشركين الظالمين ، ولو فصل بينهما بهذه الآيات الثلاث ( 45 - 47 ) اللواتي وضعن بعدهما ، لضاع تسعة أعشار بلاغتهما وتأثيرهما في العبرة والموعظة المقصودة من القصة كلها ، التي كانت كاشتعال الكهرباء مظهرا لسرعة مشيئته تعالى في كشف الكرب ، فكان منها نور ظهرت به رحمته في انجاء السفينة وأهلها المؤمنين ، وصاعقة محقت جميع الظالمين * * * 45
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ
في إثر ندائه لابنه الذي تخلف عن السفينة ودعاه إليها فلم يستجب
فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
هذا تفسير لنادى ، أي فكان نداؤه أن قال يا رب إن ابني هذا من أهلي الذين وعدتني بنجاتهم إذ أمرتني بحملهم في السفينة
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
الذي لا خلف فيه وهذا منه
وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
أي أحق من كل من يتصور منهم الحكم وأحسنهم وخيرهم حكما