الجاهلية ومن بعدهم في الدرجات الثلاث العليا والسفلى وما بينهما ، فآياته كلها في الدرجة العليا المعجزة للبشر ، وإن كان لبعضها مزية على بعض كما تراه في تكرار القصة الواحدة من هذه القصص ، وقد بسطناه في تفسير آية التحدي « بعشر سور مثله مفتريات » من هذه السورة
مثال ذلك ما تراه من بلاغة هذه الآية في باب العبرة المقصودة بالذات من سياق هذه القصص كلها ، وهو فوق ما ذكروه من نكت الفنون فيها ، وبيانه ان اللّه قد أنذر الظالمين وأوعدهم الهلاك في آيات كثيرة - ومنهم مكذبو الرسل عليهم السّلام - كلها معجزة في بلاغتها ، ولكنك ترى في هذه الآية من تأثير تقبيح الظلم والوعيد عليه نوعا لا تجده في غيرها ، لان حادثة الطوفان أكبر ما حدث في الأرض من مظاهر سخط اللّه تعالى على الظالمين ، وقد علم من أول القصة أنها عقاب للظالمين ، بيد ان اعادته في هذه الآية عقب تصوير حادثة الطوفان بارزة في أشد مظاهر هولها ، واشعار القلوب عظمة الجبار العزيز الحكيم في الفصل فيها ، بما تتلاقى فيه نهايتها ببدايتها ، والتعبير عن هذه النهاية بالدعاء على الظالمين بالبعد والطرد الذي يحتمل عدة معان مذمومة شرها الطرد من رحمة اللّه تعالى ، يمثل لك هؤلاء الظالمين من قوم نوح بصورة تمثال من الخزي واللعن والرجس لا ترى مثله في أمثالهم من أقوام الأنبياء ، على ما تراه في التعبير عنها بالعبارات الرائعة في البلاغة وعلو الأسلوب ، وإحداثها الرعب في القلوب ، كقوله تعالى ( 54 : 18
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 19 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 20 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 21 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
) وهذه الآيات في طبقة ما قبلها من قصة نوح في هذه السور وقد أوردناها آنفا . وقوله تعالى ( 69 : 4
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ( 5 ) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 6 ) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 7 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 8 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ؟
) الخ وناهيك بما وصف به عذاب قوم لوط في هذه السورة وغيرها ، وسأصف الفرق بين البلاغتين المعنوية الروحية والفنية واضراب المثل