تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
ذا أمواج ، خفيت من تحته الأرض بجبالها ، وخفيت من فوقه السماء بشمسها وكواكبها ، وكانت عليه هذه السفينة كما كان عرش اللّه على الماء في بدء التكوين ، كأن ملك اللّه الأرضي قد انحصر فيها ، فتخيل انك ناظر إليها كما صورها لك التنزيل ، تتفكر فيما يؤول اليه أمر هذا الخطب الجليل ، واستمع لما بينه به الذكر الحكيم ، أوجز عبارة وأبلغها تأثيرا ، جعلت أعظم ما في العالم كأن لم يكن شيئا مذكورا . * * * 44
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
أي وصدر من عالم الغيب الا على نداء خاطب الأرض والسماء ، بأمر التكوين الذي يسجد له العقلاء وغير العقلاء : يا أرض ابلعي ماءك كله الذي عليك ، أو الذي تفجر من باطنك ، ان صح ان ماء السماء صار بحرا ، والبلع ازدراد الطعام أو الشراب بسرعة
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
أي كفي عن الأمطار فامتثل الامر في الحال ، وما هو إلا أن قيل كن فكان
وَغِيضَ الْماءُ
أي غار في الأرض ونضب بابتلاعها له نضوبا
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
أي نفذ ذلك الامر باهلاك الظالمين ، ونجاء المؤمنين ،
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
أي واستقرت السفينة راسية على الجبل المعروف بالجودي
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي هلاكا وسحقا لهم ، وبعدا من رحمة اللّه تعالى بما كان من رسوخهم في الظلم واستمرارهم عليه ، وفقدهم الاستعداد للتوبة والرجوع إلى اللّه عز وجل ، وسيأتي مثل هذا في أمثالهم من أقوام الأنبياء (
أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
*
أَلا بُعْداً لِثَمُودَ
) والظاهر أن هذا الجبل قد غمره الماء ولم يرتفع فوقه إلا قليلا ، فلما بلغته السفينة كان الماء فوقه رقراقا وبدأ يتقلص ويغيض فاستوت عليه قرر علماء البلاغة الفنية ان هذه الآية أبلغ آية في الكتاب العزيز أحاطت بالبلاغة من جميع جوانبها وأرجائها اللفظية والمعنوية التي وضعت لفلسفتها الفنون الثلاثة : المعاني والبيان والبديع ، وإن مثل هذا التفاضل بين الآيات الذي يقتضيه الحال والمقام ، لا ينافي بلوغ كل آية في موضعها وموضوعها درجة الاعجاز ، ولا يعد من التفاوت المعهود في كلام أشهر البلغاء كأبي تمام والمتنبي وكذا غيرهما من شعراء