وظلموا وطغوا في البلاد ، لكن من رحم اللّه منهم فهو يعصمه ويحفظه ، وقد اختص بهذه الرحمة من أمر بحملهم في هذه السفينة
وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ
وكان قد بدأ يرتفع في أثناء هذا الحديث حتى حال بين الولد ووالده
فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
الهالكين
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول أعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري ؟ قال سوف تعلمون فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب الماء بها ، فلو رحم للّه منهم أحدا لرحم أم الصبي »
هذا الحديث رواه من ذكرنا كلهم من طريق موسى بن يعقوب ، وقد قال الحاكم في مستدركه : هذا حديث صحيح الأستاذ ولم يخرجاه ا ه يعني البخاري ومسلم وتعقبه الذهبي فقال إسناده مظلم وموسى ليس بذاك . وذكر في الميزان ووافقه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب انهم اختلفوا في موسى هذا وثقه ابن معين ، وقال النسائي ليس بالقوي وقال أبو داود هو صالح ، وقال ابن المديني ضعيف منكر الحديث
وقد وصف اللّه حدوث هذا الطوفان بقوله في سورة القمر ( 54 : 9
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 10 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 11 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 12 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 13 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 14 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 15 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 16 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
) وانه لوصف وجيز ، في أعلى مراقي البلاغة والتأثير
ما أفظع هذا المنظر ! ما أشد هو له ! ما أعظم روعته ! ماء ينهمر من آفاق السماء انهمارا ، وأرض تتفجر عيونا خوارة فتفيض مدرارا ، ماء ثجاج ، يصير بحرا