تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
* * * 42
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
هذا تصوير لحالها في جريها بهم كأنها حاضرة أمام القارئ أو السامع ، أي تجري في أثناء موج يشبه الجبال في علوه وارتفاعه وامتداده ، وهو ما يحدث في ظاهر البحر عند اضطرابه من التموّج والارتفاع بفعل الرياح ، واحده موجة وجمعه أمواج ، وأصل الموج الاضطراب ومنه
( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ )
ومن عرف ما يحدث في البحار العظيمة من الأمواج عندما تهيجها الرياح الشديدة ، رأى أن المبالغة في هذا التشبيه غير بعيدة ، وصف لي بعضهم سفره في المحيط الهندي في زمن رياح الصيف التي يسمونها الموسمية بما معناه : كنت أرى السفينة تهبط بنا في غور عميق ، كواد سحيق ، ترى البحر من جانبيه كجبلين عظيمين يكاد ان يطبقان عليها ، فإذا بها قد اندفعت إلى أعلى الموج كأنها في شاهق جبل تريد أن تنقض منه ، والملاحون يربطون أنفسهم بالحبال على ظهرها وجوانبها ، لئلا يجر فهم ما يفيض من الموج عليها ، وراجع وصف البحر في تفسير قوله تعالى ( 10 : 22
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
)
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
عند الركوب في السفينة وقبل جريانها ولم يسبق له ذكر وسيأتي بقية خبره في آخر القصة
وَكانَ فِي مَعْزِلٍ
أي مكان عزلة وانفراد دون أهله الذين ركبوا فيها ودون الكفار
يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا
أي مع والدك وأهلك الناجين
وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ
المقضي عليهم بالهلاك * * * 43
قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
أي سألجأ إلى جبل عال يحفظني من الماء ان يصل إلي فأغرق
قالَ : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
أي لا شيء في هذا اليوم العصيب يعصم أحدا من أمر اللّه الذي قضاه ، فليس الامر والشأن أمر ماء يرتفع بكثرة المطر كالمعتاد ، فيتقي الحازم ضره بما يقدر عليه من الأسباب ، وانما هو أمر انتقام عام من أشرار العباد ، الذين أشركوا باللّه