تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
الذي تشاركونني فيه وانما هي فوق ذلك
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ
وهي النبوة وتعاليم الوحي التي هي سبب رحمة اللّه الخاصة لمن يهتدي بها فوق رحمته العامة لعباده كلهم
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
قرأ الجمهور عميت بالتخفيف كخفيت وزنا ومعنى ، ومثلها ( 28 : 66
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ
) وقرأها حمزة والكسائي وحفص بالتشديد والبناء للمفعول ، أي فحجبها عنكم جهلكم وغروركم بمالكم وجاهكم فلم تستبينوا بها ما تدل عليه من التفرقة بيني وبينكم إذ جعلتموني بشرا مثلكم ، والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت لأنه مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء ويجوز عود الضمير إلى البينة لاقتضاء خفائها خفاء الرحمة كما هو شأن الدليل مع المدلول ، ويجوز عوده إلى الرحمة باعتبار ذكرها بعد البينة كأنه قال فخفيت عليكم رحمة اللّه لكم بهذه النبوة لخفاء البينة الدالة عليها ، أو لان البينة خاصة به عليه السّلام وهي العلم الضروري الذي يعلم به النبي انه نبي
أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
أي أنلزمكم إياها بالجبر والاكراه والحال أنكم كارهون لها إنكارا ، وجحودا واستكبارا ؟ أي لا نفعل ذلك فان الاسلام لا يصح إلا بايمان الاذعان ، وما على الرسول إلا البلاغ ، وهو أول نص في دين اللّه تعالى يدل على أنه ما كان ولا يصح أن يكون بالاكراه ، وأما ما فعله نصارى الإفرنج في سابق تاريخهم - وما لا يزال يفعله بعضهم في مستعمراتهم - من التنصير باجبار الأقوام على النصرانية ، فهو مما امتازوا به على أمم الشرق في ظلمهم وتعصبهم . وهذه الآية إثبات لنبوته عليه السّلام ورد لانكارهم لها وتكذيبه ومن معه فيها ، وإبطال لشبهتهم الأولى في أنه بشر مثلهم . وهي مبنية على أن المساواة في البشرية تقتضي استواء أفراد الجنس ، ويدفعها ما هو معلوم بالحس والخبر ( بالضم أي الاختبار ) من التفاوت العظيم بين أفراد البشر في العقل والفكر والرأي والاخلاق ولاعمال بما هو أبعد من التفاوت بينهم وبين بعض الحيوان الأعجم ، حتى إن واحدا منهم ليأتي من الاصلاح لقومه بالعلم والعمل ما يعجز عن مثله الألوف الكثيرون في القرون المتوالية ، وكل هذا في محيط التفاوت العادي ، والعلم والعمل الكسبي ، وفوقهما ما اختص
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 64 | الشيخ محمد رشيد رضا