وقد كرموا أنفسهم بعدم الجزم بالتكذيب فعبروا عنه بالظن
أجابوه بأربع حجج داحضة ( إحداها ) أنه بشر مثلهم فساووه بأنفسهم في الجملة ، وهذا يدل على أنه عليه السّلام كان من طبقتهم أو ما يقرب منها في بيته وفي شخصه ، وهكذا كان كل رسول من وسط قومه ، ووجه الجواب أن المساواة تنافي دعوى تفوق أحد المتساويين على الآخر بجعل أحدهما تابعا طائعا ، والآخر متبوعا مطاعا ، لأنه ترجيح بغير مرجح
( والثانية ) أنه لم يتبعه منهم إلا أراذلهم في الطبقة والمكانة الاجتماعية بادي الرأي ، لا بدليل من العقل والعلم ، وبهذا تنتفي المساواة فينزل هو عن رتبة الطبقة العليا إلى رتبة من اتبعه من الطبقات السفلى ، وهذا مرجح لرد دعوته والتولي عنه
( الثالثة ) عدم رؤية فضل له مع جماعته هؤلاء عليهم من قوة عصبية أو كثرة غالبة أو غير هذا من المزايا التي ترفع الأراذل من مقعدهم في السفلة ، فيهون على الاشراف مساواتهم في اتباعه
( الرابعة ) أنهم بعد الاضراب أو صرف النظر عما ذكروا من التنافي والتعارض يرجحون الحكم عليه وعليهم بالكذب في هذه الدعوى ، وهذا هو المرجح الأقوى لرد الدعوة ، وقد أخروه في الذكر لأنهم لو قدموه لما بقي لذكر تلك العلل الأخرى وجه ، وهي وجيهة في نظرهم لا بد لهم من بيانها ، وهذه الأخيرة طعن لهم على نوح عليه السّلام أشركوه فيه مع أتباعه ولم يجابهوه به وحده ، ولم يجزموا به ، كما أنهم لم يجعلوه في طبقتهم من الرذالة ، ونحن نرى ملاحدة هذا العصر كقوم نوح ومن بعده في حججهم الداحضة ، وغرورهم وعمى قلوبهم ، لا يفضلونهم بشيء الا الغرور بفنون الإفرنج وقوتهم وجعلها حجة على تقليد أراذلهم في شر رذائلهم ، وتحقير أنفسهم وأمتهم ولغتهم ، فهم شر من قوم نوح إذ كان تقليد قوم نوح لآبائهم تعظيما لهم ، والبلاء كل البلاء عندنا من فساد أمرائنا وباشاواتنا وأغنيائنا فهم في مجموعهم أو أكثرهم كملأ نوح شر طبقات هذه الأمة وأشدها فسادا وافسادا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 62
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٦٢