واقترن جوابهم هنا بالفاء لأنه هو الأصل في الرد السريع ، ومثله في سورة المؤمنين .
وتقدم في سورة الأعراف مفصولا وهو
( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
لأنه هو الأصل في باب المراجعة يقال . . قال . . . ويسمى الاستئناف البياني ، والفرق بينهما في الموضعين من هذه القصة ان الموصول بالفاء أريد به المبادرة إلى الرد على نوح بما يبطل دعوته بزعمهم ، والمفصول ليس إلا طعنا وتخطئة هو من جملة مارموه به لا يعلم متى وقع منهم ، وليس جوابا متصلا بالدعوة ، فياللّه العجب من هذه الدقة في بلاغة القرآن !
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
في الجنس لا مزية لك علينا تكون بها نذيرا لنا نطيعك ونتبعك مذعنين لنبوتك ورسالتك
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
أي أردياؤنا وأخساؤنا . يقال رذل الشيء أو المرء بضم الذال ( كضخم ) فهو رذل بسكونها ( كضخم ) وجمعه أرذل بضم الذال وجمع الجمع أراذل أو هو جمع « أرذل » بصيغة التفضيل ، ويؤيده في سورة الشعراء (
وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
) ويعنون بهم من دون طبقة الاشراف والأكابر كالزراع والصناع والعمال ، وهم الذين يقبلون الحق إذا فهموه لعدم استكبارهم عن اتباع غيرهم
بادِيَ الرَّأْيِ
أي اتبعوك في بادي الرأي أي ظاهره الذي يبدو للناظر فيه ، قبل العلم بما وراء قوادمه من خوافيه ، والتأمل في باطنه ، والغوص في أعماقه ، أو في بدئه وما يظهر منه أول وهلة قبل تكرار التفكر فيه ، والنظر في عواقبه وتواليه .
فالياء على هذا منقلبة عن همزة لانكسار ما قبلها . ويؤيده قراءة أبي عمرو بالهمزة ( باديء ) وقراءة الجمهور أبلغ لاحتمالها الجمع بين المعنيين
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
أي وما نرى لك ولمن اتبعك علينا أدنى فضل تمتازون به في جماعتكم كالقوة والكثرة والعلم والرأي يحملنا على اتباعكم ، والنزول عن جاهنا وامتيازنا عليكم بالجاه والمال لمساواتكم ،
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
أي بل الامر شر من ذلك وهو أننا نظنكم كاذبين في جملتكم : المتبوع في دعوى النبوة ، والتابعون في تصديقه ، فهي إذا ائتمار بنا تحاولون به أن تقلبوا الحقيقة فتجعلوا الفاضل مفضولا ، والشريف مشروفا ،