اللّه به من شاء من عباده بما لا كسب لهم فيه فجعلهم أنبياء ورسلا له كما بيناه بالتفصيل في مباحث الوحي المحمدي
* * *
29
وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا
أعاد نداءهم بقوله
« يا قَوْمِ »
استعطافا وتكريرا للتذكير بأنه انما يدعوهم لخيرهم ومصلحتهم ، وصرح لهم بأنه لا يسألهم على ما دعاهم إليه ما لا ، فيكون متهما فيه عندهم لمكانة حب المال من أنفسهم ، واعترازهم به عليه وعلى الفقراء من أتباعه . والمال ما يملك ويقتنى من نقد وماشية وغيرها ، وعبر في سورة الشعراء بالاجر ويدل عليه هنا
إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
أي ما أجري علي تبليغه والقيام بأعبائه إلا على اللّه الذي أرسلني به ، وكل رسول بعده أمر أن يبلغ قومه هذا ، كما تراه في سورة الشعراء محكيا عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وتكرر مثله بأمره تعالى عن محمد رسول اللّه وخاتم النبيين ، وما اتصل به من الاستثناء في قوله ( 42 : 23
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
) فهو - أي الاستثناء - منفصل معناه لكن أسألكم مودة أولي القربى لكم ، وصلة الارحام التي تبالغون فيها وتقاتلون لأجلها . فهذه الجملة دفع لشبهة أخرى على نبوة نوح كغيره لا بد أن تكون حاكت في صدور قومه وقد يكون بعضهم تكلم بها
وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا
أي وليس من شأني ولا بالذي يقع مني طرد الذين آمنوا من قربي وجواري لاحتقاركم لهم ، ووصفكم إياهم بالأراذل جهلا منكم ، فهذا رد على الشبهة الثانية في كلامهم بنفي لازمه وهو الطرد ، وقد يكونون صرحوا بذكر هذا اللازم ، وهذه سنة أكابر مجرمي الكفار من جميع أقوام المرسلين ، بينها هنا وفي سورة الشعراء في قوم نوح أولهم ، وتكرر معناها في قوم خاتمهم ، ومنه في ذكر الطرد قوله تعالى في سورة الأنعام ( 6 : 152
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
) الآية . وفي معناها قصة الأعمى في سورته
إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
هذا تعليل مستأنف لنفي الطرد معناه أنهم يلاقون ربهم