تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
« إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي »
وقوله
« قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »
فالأولى ما علم هو به انه رسول من ربه بوحيه اليه ، وباظهاره على ما شاء من رؤية ملك الوحي وغيره من عالم الغيب ، والثانية ما آتاه من الحجة العقلية على قومه كقوله ( 6 : 83
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
) أو ما آتاه من آية كونية تستخذي لها أنفسهم ، وتنقطع بها مكابرتهم . وكان نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم يطلق البينة تارة على الحجة والبرهان ، وتارة على آيته الكبرى الجامعة للبراهين الكثيرة وهي القرآن ، قال تعالى له ( 6 : 57
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ
) وأمره ان يقول لهم بعد ذكر موسى والتوراة ( 6 : 155
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 156 أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ 157 أَوْ تَقُولُوا : لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها ، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ
) فهذا السياق يشبه سياق الآية التي نفسرها وفي المراد بصاحب البينة فيها وجهان : أحدهما انه عام قوبل به ما قبله وهو من لا يريدون من حياتهم إلا لذات الدنيا وزينتها ، وان البينة هي نور البصيرة الفطرية والحجة العقلية التي يميز بها الانسان بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . والمعنى : أفمن كان على بينة وبصيرة في دينه من ربه - فهو كقوله ( 39 : 22
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
)
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
أي ويتبع هذا النور الفطري والبرهان العقلي المراد بالبينة وأعاد الضمير عليها مذكرا باعتبار معناها ، ويؤيده نور آخر غيبي إلهي منه تعالى يشهد بحقيته وصحته ، وهو هذا القرآن ، الذي هو مشرق النور والهدى والبرهان
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
ويتبعه ويؤيده شاهد آخر جاء من قبله وهو الكتاب الذي أنزل على موسى ( ع . م ) حال كونه إماما متبعا في الهدى والتشريع ، ورحمة لمن آمن وعمل به من بني إسرائيل ، وشهادته له من وجهين : شهادة مقال وشهادة حال ، فالاولي تصريحه بالبشارة