تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
الرحم فلم يكن له تأثير في تزكية أنفسهم والقربة عند ربهم ، لأنه انما كان لأغراض نفسية من شهوات الدنيا كالرياء والسمعة والاعتزاز بأولي القربى على الأعداء ولو بالباطل ، فهو كالحبط وهو بالتحريك أن تكثر الانعام من بعض المراعي التي تستطيبها حتى تنتفخ وتفسد أحشاؤها ، فظاهر كثرة الأكل أنه سبب للقوة فكان في هذه الحالة سببا للضعف ، كذلك ما ظاهره البر والاحسان من أعمال الناس إذا كان الباعث عليه سوء النية مما ذكرنا
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي وباطل في نفسه ما كانوا يعملونه في الدنيا ، لأنه لا ثمرة له ولا أجر في الآخرة ، وانما الاعمال بمقاصدها ، والنتائج تابعة لمقدماتها ، فإن كان في عملهم خير ونية حسنة يجازون عليه في الدنيا قال تعالى في تفصيل هذا الاجمال ( 17 : 18
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً 19 وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
) وقال معلم الخير الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم « انما الأعمال بالنيات وانما لكل امريء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه » رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه مختلفة الالفاظ ومسلم وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الدين يبيح الطيبات من المآكل والمشارب غير الضارة ويبيح الزينة في غير اسراف ولا خيلاء ، وانما يذم من يحتقر المواهب الانسانية من عقلية وروحانية فيجعل كل همه وحظه من وجوده في الشهوات الحيوانية التي تفضله بها الانعام والحشرات فيفضله الثور في كثرة الأكل ، والبعير في كثرة الشرب ، والعصفور في كثرة السفاد ، والطاوس في زينة الألوان ولمعان اللباس . ومن اختبر أهل أمصارنا في هذا العصر علم من اسرافهم في هذه الشهوات والزينة ما هو مفسد لصحتهم وأخلاقهم وبيوتهم حتى نسائهم وأطفالهم ، وما حق لثروتهم ، ومضعف لأمتهم ودولتهم ، وما بعد ذلك إلا إضاعة آخرتهم ، وترى مع هذا ان حكومتهم