بعد أن قامت الحجة القطعية على إعجاز القرآن ، وحقية دعوة الاسلام ، بما يقطع ألسنة المفترين ويبطل معاذيرهم ، بين لهم في هاتين الآيتين الصارف النفسي لهم عنه وكونه شرا لهم لا خيرا ، وهو انه لاحظ لهم من حياتهم إلا شهوات الدنيا وزينتها ، والاسلام يدعوهم إلى إيثار لآخرة على الأولى ، قال عز وجل :
* * *
15 -
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
أي من كان كل حظه من وجوده التمتع بلذات هذه الحياة الأولى التي هي أدنى الحياتين اللتين خلق لهما وهي الطعام والشراب والوقاع ، وزينتها من للباس ولأثاث والرياش والأولاد والأموال ، لا يريد مع ذلك استعدادا للحياة الآخرة ولقاء اللّه تعالى بالبر والاحسان ، وتزكية النفس بباعث الايمان
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
أي نؤد إليهم ثمرات أعمالهم التي يعملونها وافية تامة بحسب سنتنا في الأسباب والمسببات ونظم الاقدار ، وقد فصلنا هذا المعنى في التفسير مرارا
وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
وهم لا ينقصون فيها شيئا من نتائج كسبهم لأجل كفرهم ، فان مدار الارزاق فيها على الاعمال السببية ، لا على النيات والمقاصد الدينية ، ولكن لهداية الدين تأثيرا فيها من ناحية الأمانة والاستقامة والصدق والنصح ، واجتناب الخيانة والزور والغش ، وغير ذلك من الصبر والتعاون على البر والتقوى ، ولأهلها العاقبة الحسنة فيها . وكرر لفظ فيها للتأكيد والاعلام بأن الآخرة ليست كالدنيا في وفاء كيل الجزاء وفي بخسه ، فإنه فيها منوط بأمرين : كسب الانسان ونظام الاقدار ، وقد يتعارضان ، وأما جزاء الآخرة فهو بفعل اللّه تعالى مباشرة ( ولا يظلم ربك أحدا )
* * *
16
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
أي أولئك الموصوفون بما ذكر ليس لهم في الآخرة إلا دار العذاب المسماة بالنار ، لان الجزاء فيها كالجزاء في الدنيا على الاعمال ، وهم لم يعملوا لنعيم الآخرة شيئا ، فان العمل لها انما هو تزكية النفس بالايمان والتقوى التي هي اجتناب المعاصي والرذائل ، وأعمال البر والفضائل ،
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها
وفسد ما صنعوا مما ظاهره البر والاحسان كالصدقة وصلة