تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
أحد به علما ، وان فضله على عباده لا ينحصر في زمان ولامكان ويؤيد ما اخترته قوله عز وجل في تقرير هذا الاحتجاج من أن العجز عن المعارضة دليل على أن القرآن من العلم الإلهي قوله تعالى : * * * 14 -
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
في هذا الخطاب وجهان صحيحان ( أحدهما ) أنه تتمة لما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتحدى به المشركين فهو يقول لهم فإن لم يستجب لكم من تدعونهم من دون اللّه ليظاهروكم على الاتيان بالعشر السور المماثلة لسور القرآن ، من آلهتكم الذين تدعون وتعبدون ، وهو اجسكم الذين يلقنونكم الشعر كما تزعمون ، وقرنائكم من فحول الشعراء ومصاقع الخطباء ، ومن علماء أهل الكتاب العارفين بأخبار الأنبياء ، لعجز الجميع عن ذلك
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
أي فاعلموا أنما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بمقتضى علم اللّه ملابسا له مبينا لما أراد أن يبلغه لعباده من دينه على ألسنة رسله ، لا بعلم محمد ولا غيره ممن تدعون زورا أنهم أعانوه عليه ، لأنه في جملته من علم الغيب الذي لا يعلمه الا من أعلمه اللّه تعالى به ، كما قال ( 7 : 7
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ
) وكما تراه في آخر قصة نوح من هذه السورة ( الآية 49 ) ومثلها في آخر سورة يوسف ، ومثلهما في سورة القصص ( 28 : 44 - 46 ) ( 12 : 102 ) وقال في آية أخرى بعد ذلك ( 4 : 166
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
) وقال ( 72 : 26
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً 27 إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
) الخ وما فيها من العلم الكسبي لم يكسب منه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا الاستجابة للداعي إلى الشيء كاجابته اليه ، وعدم الاستجابة لهم داحضة لدعواهم مثبتة لكون هذه العلوم التي فيه من علم اللّه لا من علم البشر ، وهو صريح في أن المراد انما هو التحدي بما في هذه السور من العلم لأنه هو الذي دحض دعواهم ان محمد افتراها « وأنما » المفتوحة الهمزة تدل على الحصر كالمكسورة على التحقيق
وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي واعلموا أنه لا إله يعبد بالحق الا هو ، لان من خصائص الا له أن يعلم ما لا يعلمه غيره ، وان يعجز كل من عداه عن مثل ما يقدر هو عليه ، كما ظهر بهذا التحدي عجزكم وعجز آلهتكم وغيرهم عن الاتيان بعشر