تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وانه أساطير الأولين اكتتبها لنفسه فهي تملي عليه وبلقنها لئلا ينساها ، وهذه شبهة خاصة موجهة إلى قصصه المتفرقة في سوره الكثيرة ، لا يدحضها عجزهم عن الاتيان بسورة واحدة مثله في بلاغتها التي حصروا الاعجاز فيها ولا إبداع نظمها ولاطرافة أسلوبها أيضا ، ولا سيما إذا كانت قصيرة ، فتحداهم بعشر سور مثله مفتريات ، أي مثل هذه القصص التي زعموا انها أساطير الأولين ، وانما تكون مثلها إذا كانت جامعة لمزاياها المعنوية العلمية التي بينا أظهرها في الجمل العشر آنفا وجملة القول إن التحدي بعشر سور مثله مفتريات قد كان لابطال هذه التهمة الخاصة من الافتراء ، وقد بينا معناها ، والسور المفصلة فيها التي تمت عشرا بهذه السورة ( هود ) وكلفهم دعوة من استطاعوا من دون اللّه تعالى ليظاهروهم فعجزوا ، ولم يجدوا من آلهتهم ولا من فصحائهم ولا من أعداء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتاب من يستجيب لهم ، فقامت عليهم الحجة وعلى غيرهم إلى يوم القيامة ، فهذه حكمة هذا التحدي الظاهرة هنا وله حكمة أخرى باطنة لازمة للأولى هي التي تمت بها الفائدة ، وهي أنه يوجه الانظار ويشغل الافكار بالتأمل في القرآن ، وتدبر ما حواه من حكمة وعرفان ، وما لها في القلوب والعقول من تأثير وسلطان ، فيا حسرة على الغافلين الذين زعموا ان إعجازها محصور في فصاحة المفردات والجمل وبلاغة البيان ، على ما في دلالة الفصاحة والبلاغة على النبوة من الخفاء على الافكار والأذهان ، وقد اختلف المتكلمون في وجه دلالة المعجزة على الرسالة وقال الغزالي انه لا علاقة بينها وبين ابراء الأكمه والأبرص أو انقلاب العصا حية ، ودلالة القرآن ببلاغته مثلها بخلاف دلالته العلمية فإنها عقلية كدلالة مدعي علم الطب على علمه بكتاب ألفه فيه يعالج به المرضى فيبرءون . فالبلاغة تكون بالسليقة ، ولكن لا تظهر فجأة وكاملة في سن الكهولة ، والعلم لا يكون الا بالتعلم قبل هذه السن ، وعلم الغيب خاص باللّه تعالى ، فثبت بهذا أن علم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحي برز بكلام معجز للخلق . والحمد للّه الذي آتى هذا العبد الضعيف المتأخر من هذه الحكمة والفهم في كتابه ما لم يؤت أولئك الجهابذة الأقوياء من أئمة العلم وفرسان الكلام ، اثباتا لما وصف به من كونه لا تنتهي عجائبه ، ولا يحيط