عليهم ، كما زعم من لم يفقه ما قررته لزعمهم أن إعجاز القرآن انما هو ببلاغته التي فسروها بمطابقة الكلام لمقتضى الحال فقط ، ولو صح هذا الزعم هنا ، لما كان للتحدي بالعشر بعد الواحدة وجه ، بل لكان مشكلا من أول وهلة ، لأنه يكون من قبيل التجربة من غير العالم بعجزهم عن سورة واحدة ، فضلا عن كونه لم يضرب له أجلا ، ولم ينقل أنه كان له أجل علم بالفعل ، ولا يرد شيء من هذا على قولنا ، فان مثله كمثل من يكلف شاعرا ان ينظم قصصا مختلفة بقصيدة واحدة ، ومن يوسع عليه بتكليفه ان ينظمها بعدة قصائد مختلفة الروي والقوافي . واني لأعجب لدهاقين البلاغة الفنية كيف سكتوا عن حكمة هذا العدد إلا قول بعضهم إنه نتهاء إلى آخر جمع القلة ؟
وإنني أجزم هنا - بعد التأمل في جميع آيات التحدي وتاريخ نزول سورها - أنها لم يكن مراعى بها الترتيب التاريخي في مخاطبة المشركين كما زعم جمهور المفسرين ، بل ذكر كل منها بمناسبة سياق سورته ، فسورة الطور التي فيها ( 52 :
23
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ 24 فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
) وهو تحد بجملته - قد نزلت بعد سورتي يونس وهود اللتين تحداهم فيها بالعشر بعد الواحدة . وسورة الإسراء نزلت قبلهن وفيها ذكر عجز الانس والجن عن الاتيان بمثله ( 17 : 88 ) ولكنه لم يكن تحديا . وكان آخر ما نزل في التحدي آية سورة البقرة ( 2 : 23 ) وهو تحد للمرتابين فيما نزله اللّه على عبده بأن يأتوا بسورة من مثله . إذ كان نزولها في السنة الثانية للهجرة
الخلاصة أن مشركي مكة المعاندين لم يجدوا شبهة على القرآن - بعد شبهة السحر القديمة التي لم تلق رواجا عند العرب لأنه كلام بلغتهم عرفوه وعقلوه وأدركوا علوه على سائر الكلام - الا زعمهم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد افتراه في جملته ، وما هو وحي من عند اللّه تعالى ، فتحداهم بالاتيان بمثله بالاجمال ، وبسورة مثله في جملة مزاياه من نظمه وأسلوبه ، وبلاغته وعلومه ، وتأثير هدايته ، وسلطانه الآلهي على الأرواح والعقول فعجزوا ، وبقيت لهم شبهة عليه في قصصه إذا ادعى انها من أنباء الغيب أوحاه اللّه اليه ، فزعموا أنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ،