( 10 ) الاحتجاج بكل ذلك على قوم خاتم النبيين ثم على سائر من تبلغهم دعوته من حقية رسالته ، وكون العاقبة له ولمن اتبعه
فقد علم من جملة هذه القصص في هذه السور ، ان هؤلاء الرسل كانوا خير البشر ، وأهداهم إلى أصح العقائد وأكمل الفضائل وأصلح الاعمال ، وان آثارهم في الهدى كانت أجل الآثار ، وأنها كانت أفضل قدوة لأهل الأرض ، وعلم منها ان ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا القرآن هو عين ما جاءوا به من ذلك كله ، إلا أنه أنه أتم وأكمل ، وأعم وأشمل ، فإنه مبعوث إلى جميع الأمم إلى نهاية بقاء الاحياء في هذا العالم . وكانت رسالة كل منهم إلى قومه خاصة
فان أمكن ان يكون هذا حديثا مفترى فان مفتريه يكون أكمل منهم كلهم علما وعملا وهداية واصلاحا ، سواء أكانوا رسلا من اللّه تعالى أم لا ، ويكون أجدر باتباع قومه وغيرهم له واهتدائهم بهديه ، ولن يكشف حقيقة أمره ، إلا من يستطيع ان يأتي بحديث مثله ، ولو مفترى في صورته وموضوعه ، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ، فان الاحتذاء والاتباع ، أهون من الابتداء والابتداع ، إذا كان لا يتجاوز القيل والقال ، ولكن افتراء الأمي لهذه العلوم الإلهية والنفسية والتشريعية والاجتماعية محال أي محال ، وقد عجز عن مثلها حكماء العلماء ، فكهذا يكون الافتراء ، والحديث المفترى الذي ينهى عنه العقلاء ، حرصا على الشرك والجهل الذي كان عليه أولئك السفهاء ؟
ثم انك تجد هذه المعاني أو المعارف التي أجملتها في عشرة أنواع كلية ( ويمكن تفصيلها والمزيد عليها ، بما قد يفتح اللّه تعالى على المتدبرين لكتابه ) متفرقة في جميع تلك القصص من تلك السور ولا تجد فيها على تكرارها تناقضا ولا تعارضا ، ولا في عباراتها اختلافا ولا تفاوتا ، على ما فيها من ايجاز وقبض ، ومساواة وبسط ، وهذا مما يعجز عنه البشر أيضا ولا يتحق الا بالتعدد ، وإذا كانت لا توجد كلها مجتمعة في سورة ولا سورتين ولا ثلاث مما ذكرنا ، فأحر بمن يدعي انها من علم البشر وكلامهم أن يفسح له في التحدي بأن يأتي بعشر سور مثلها ، تشتمل على هذه المزايا كلها ، فالتحدي بهذه السور توسيع على المنكرين إن تصدوا لمعارضتها لا تضييق
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٤٣