وقد جاءت أخبار الأنبياء مكررة في السور المكية على درجات في قلتها وكثرتها تبتدئ بالآية والآيتين والثلاث لبعض هؤلاء الرسل في بعض السور ، وترتقي في بعضها إلى منتهى جمع القلة أو تزيد قليلا ، كما تراه في آل حميم من فصلت إلى الأحقاف ، وفي أثناء سور الفرقان و ( ق ) والذاريات والنجم ، وفي أول الحاقة والفجر وآخر البروج ، فهذه سور تزيد على عشر فيها جميع أنواع الاعجاز اللفظي والمعنوي ، ولكن هذه الأخبار فيها عبر لا تبلغ أن تكون قصصا
وأما القصص فقد تبلغ في بعض سورها عشرات الآيات كيونس وإبراهيم والحجر والمؤمنون والعنكبوت ، وتعد في بعضها بالصفحات لا بالآيات ، ومنها ما أكثره في هذه القصص كالاعراف ومريم والنمل . ومنها ما ليس فيه من غيرها الا خاتمة مختصرة كيوسف وطه والأنبياء والشعراء والقصص ، أو فاتحة هي براعة مطلع وخاتمة هي براعة مقطع ، كهود والصافات وص ، وفي قصة نوح عليه السّلام سورة في المفصل خاصة به وبقومه سميت باسمه على تكرارها في السور المختلفة ، وكذلك سورة يوسف عليه السّلام خاصة بقصته . كما أن سورتي طه والقصص في قصة موسى عليه السّلام وحدها ، على كثرة تكرارها في غيرهما
بيد ان التحدي بالسور التي فيها القصص انما يراد به التحدي بها كلها ، لا بالقصص التي فيها دون غيرها ، وقد علمت أنه لا يوجد في القرآن عشر سور ولا خمس ليس فيها شيء سواها ، وان أكثر السور التي فيها القصص الحقيقية وسط بين الطول والمفصّل ، فالأولى منها في المصحف وهي الأعراف من السبع الطول وآياتها 206 وآيات القصص فيها 112 آية ، وقبلها قصة النشأة الانسانية وافتتاحها وختامها في دعوة الاسلام ، وبعدها فيه سورة يونس وهي 109 آيات وقصصها 23 آية ، وتتلوها سورة هود ، وآياتها 123 أكثرها في القصص وهي أشبه السور بها في فاتحتها وخاتمتها وتحديها في إبطال الافتراء ، والمأثور انها نزلت بعدها متممة لها كما تقدم ، فجملة ما نزل قبل سورة هود من سور القصص : الأعراف ويونس ومريم وهي 98 آية وطه وهي 125 والطواسين :
الشعراء وهي 227 والنمل وهي 93 والقصص وهي 88 وآياتهما أطول من آيات
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 39
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٩