تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
اللفظي ، وتكراره مزلة في مداحض التعارض والاختلاف المعنوي ، والتفاوت والخطل البياني ، ويظهر ذلك لكل أحد منهم ، لأنه من جنس معارفهم وما يعهدونه بينهم ، لا كأمور الغيب في غير عالمهم ، فتحديهم بعشر سور من جنسها كالتحدي بمعارضة مقامات الحريري لمقامات بديع الزمان وأمثالهما ، يمكن لأهل اللسان أن يحكموا فيه بالتفاضل بينهما في بيانهما وحكمتهما ومعانيهما « * »
هامش
( * ) أسلوب مقامات البديع عربي عادي سهل جعل فيها اللفظ وسيلة لفهم المعني المراد ، وهو الأصل في كل اللغات ، وأسلوب مقامات الحريري صناعي متكلف لم يعهد مثله في كلام العرب ، جعل اللفظ فيه مقصودا لذاته ، والمعني تابعا له ، ووسيلة لحفظه ، فمن الجمع فيه بين المهمل والمعجم ، ما لا يسيغه الاذوق الأعجم ، ومن تكلف الجناس الذي صنع ليزيد الألفاظ حسنا ، ما يشوه المعاني ويزيدها قبحا ، كالجناس المصحف في أبياته التي أولها :زينت زينب بقد يقد * وتلاه ويلاه نهد يهدفلو سمع هذا الشعر فحول الشعراء الجاهليون ، وقرومهم المخضرمون ، وفرسانهم المولدون ، لولوا فرارا منه وهم يجمحون ، وانما أعجب بمقاماته بلغاء الأدباء ، وكبار العلماء ، لجمعه فرائد اللغة بعبارات مرصوفة يسهل حفظها ، وهذا إبداع قد يعسر على أحفظ رواتها ، ولذلك قال الزمخشري فيها :معجزة تعجز كل الورى * ولو سروا في ضوء مشكاتهفهذا النوع المدعى من الاعجاز فيه إنما هو مبالغة في استحسانه في بابه ، وهو مما يقال في كل زمان في كل كلام له مزية ، وما هو بمعجز في نفسه ، وقد عورض كل ما يؤبه له من ذلك بمثله أو بما يفوقه ، وهو في مكان بعيد من إعجاز القرآن كما فهمه العرب السليقيون ، والمولدون الجامعون بين ذوق اللغة وفلسفتها الصناعية . وإن بقي موضع خفاء وشبهة عند من بعدهم ، حتى تجرأ بعض جهلة المقلدين من الأعاجم كالباب والبهاء والقادياني على دعوى إعجاز بعض هذيانهم من كلام سخيف قلدوا فيه القرآن بفواصل متكلفة لا تستحق إلا السخرية ، وقد أشرنا إلى هذا في الكلام على التحدي من كتاب ( الوحي المحمدي ) وغيره وسنبسطه في موضعه كما وعدنا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 38 | الشيخ محمد رشيد رضا