تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وإني وإياكم في هذا السجن لمحجوبون
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
أي أخبرتكما به وهو عند أهله وبما يريدون من إرساله وما ينتهي اليه بعد وصوله اليكما : أنبئكما بكل هذا من شأن هذا الطعام قبل أن يأتيكما ، روي أن رجال الدولة كانوا يرسلون إلى المجرمين أو المتهمين طعاما مسموما يقتلونهم به وأن يوسف أراد هذا ، وما قلته يشمل هذا إذا صح ، وهو ما يفهم من تسمية إنبائهما به تأويلا ، فان التأويل الاخبار بما يؤل اليه الشيء وهو فرع معرفته ، ولذلك قال بعضهم إنه سماه تأويلا من باب المشاكلة لما سألاه عنه من تأويل رؤاهما ، وقال بعضهم ان المراد لا تريان في النوم طعاما يأتيكما إلا نبأتكما بتأويله ، وهو بعيد . وفسر الزمخشري ومن قلده تأويله [ ببيان ماهيته وكيفيته لان ذلك يشبه تفسير المشكل والاعراب عن معناه ] ا ه وهو تكلف سرى اليه من مفهوم التأويل في اصطلاح علماء الكلام وأصول الفقه لا من صميم اللغة
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
أي ذلك الذي أنبئكما به بعض ما علمني ربي بوحي منه إلي ، لا بكهانة ولا عرافة ولا تنجيم ، ولا ما يشبههما من طرق صناعية أو تعليم بشري يلتبس به الحق بالباطل ، ويشتبه الصواب بالخطأ ، فهو آية له كقول عيسى لبني إسرائيل من بعده
( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ )
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
خالق السماوات والأرض وما بينهما كما يجب له من التوحيد والتنزيه ، أي تركت دخولها واتباع أهلها من عابدي الأوثان المنتحلة على كثرة أهلها ودعوتهم إليها ، وليس المعنى أنه كان متبعا لها ثم تركها ، فقوله تعالى
( أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ؟ )
أي بعد موته فلا يبعث ، ليس معناه أنه كان سدى قبله ، فترك الشيء يصدق بعدم ملابسته مطلقا ، وبالتحول عنه بعد التلبس به ، ويفرق بينهما بقرينة الحال أو المقال أو كليهما كما هنا . والمتبادر أنه أراد بهؤلاء القوم الكنعانيين وغيرهم من سكان أرض الميعاد التي نشأ فيها ، والمصريين الذين هو فيهم وبينهم ، فإنهم اتخذوا من دون اللّه آلهة معروفة في التاريخ أعظمها الشمس واسمها عندهم ( ر ع ) ومنها