تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
حجمه واكتناز شحمه وقلة مائه ، ولكل منهما أصناف
وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ
الطير جمع واحده طائر ، وتأنيثه أكثر من تذكيره ، وجمع الجمع طيور وأطيار
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
أي قال له كل واحد منهما نبئني بتأويل ما رأيت ، أي بتفسيره الذي يؤول اليه في الخارج إذا كان حقا لا من أضغاث الأحلام ، ويصح إعادة الضمير المفرد على الكثير كاسم الإشارة بمعنى المذكور أو ما ذكر ، ومنه قول الراجز :
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجسم توليع البهق
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
عللوا سؤالهم إباه عن أمر يهمهم ويعنيهم دونه ، برؤيتهم إياه من المحسنين بمقتضى غريزتهم الذين يريدون الخير والنفع للناس وإن لم يكن لهم فبه منفعة خاصة ولا هوى ، وقيل من المحسنين لتأويل الرؤى ، وما قالا هذا القول إلا بعد أن رأيا من سعة علمه وحسن سيرته مع أهل السجن ما وجّه اليه وجوههما ، وعلق به أملهما . وهذا من ايجاز القرآن الخاص به افترص يوسف ( ع . م ) ثقة هذين السائلين بعلمه وفضله وإصغاءهما لقوله واهتمامهما بما يسمعان من تأويله لرؤاهما فبدأ حديثه بما هو أهم عنده وهو دعوتهما وسائر من في السجن إلى توحيد اللّه عز وجل ، فعلم من هذا أن وحي الرسالة جاءه بعد دخول السجن فحقق قوله
( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ )
كما أن وحي الالهام جاءه عند إلقائه في غيابة الجب على ما سبق ، وحكمة هذا من ناحيته عليه السّلام ظاهرة بما بيناه من أن اللّه تعالى جعل له في كل محنة ظاهرة ، منحة باطنة ، وفي كل بداية محرقة ، نهاية مشرقة ، تحقيقا لما فهمه أبوه من اجتباء ربه له الخ . وحكمته من ناحية دعوة الدين ان أقوى الناس وأقربهم استعدادا لفهمها والاهتداء بها : هم الضعفاء والمظلومون والفقراء ، وأعتاهم وأبعدهم عن قبولها هم المترفون والمتكبرون ، بدأ يوسف بالدعوة بعد مقدمة في بيان الآية الدالة على صدقه والثقة بقوله وهي إظهار ما من اللّه به عليه من تعليمه ما شاء من أمور الغيب وأقربها إلى اقتناعهم ما يختص بمعيشتهم ، فكان هذا ما يقتضيه المقام وتوجبه الرسالة من جوابهم ، وهو : * * * 37
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
وهو ما لا تدرون من حيث لا تدرون ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 304 | الشيخ محمد رشيد رضا