تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
احصان أزواجهن ، والمحرومين من نعمة الأولاد منهن ، وما ذا فعل يوسف وما قال وقد علم أن هذه المرأة الماكرة قد عبل صبرها ، وهتكت سترها ، وكاشفت نسوة كبار بلدها بما تسر وما تعلن من أمرها ؟ ورأى أنهن تواطأن معها على كيدها ، وراودته عن نفسه كما راودته عن نفسها ، وهو تؤاطؤ لا قبل لرجل به ، إلا بمعونة ربه وحفظه * * * 33
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
أي قال : أي ربي ، الغالب على أمري ، العالم بسري وجهري ، ان الحبس والاعتقال في السجن مع المجرمين حيث شظف العيش أحب إلى نفسي وآثر عندي على ما يدعوني اليه هؤلاء النسوة من الاستمتاع بهن في ترف هذه القصور وزينتها ، والاشتغال بحبهن عن حبك ، وبقربهن عن قربك ، وبمغازلتهن عن مناجاتك ، وإنما يفسر ويشرح هذا بما يعلم من سياق القرآن ، ومن طباع الرجال والنسوان ، ومن التاريخ العام ، والسنن الاجتماعية والاخلاق والعادات ، وسيرة الصالحين والأنبياء دون حاجة إلى ما لا سند له ولا دليل عليه من الروايات ودسائس الإسرائيليات ، ومنه أنه ليس في السجن إلا الاعتبار بأحكام الملوك وأعوانهم من الوزراء والقضاة على من يسخطون عليهم بحق أو بغير حق ، مما يزيدني إيمانا بقضائك ، وصبرا على بلائك ، وشكرا لنعمائك ، وعلما بشؤون خلقك ، ويفتح لي باب الدعوة إلى معرفتك وتوحيدك ، والاستعداد لإقامة الحق ، ونصب ميزان العدل ، فيما عسى أن تخولني من الامر ، إذا مكنت لي كما وعدتني في الأرض هذا ما يتبادر إلى الفهم من توجيه التفضيل في الحب تدل عليه حالة يوسف وسابق قصته ولاحقها بغير تكلف ولا تحكم ، كما هو دأبنا في كل ما نفسره به هذه القصة وغيرها ، وهو يصدق في جعل اسم التفضيل هنا لا مفهوم له أو على غير بابه كما يقال ، فليس المراد ان ما يدعونني اليه محبوب عندي والسجن أحب إلي منه ، وانما معناه ان هذين الامرين إذا تعارضا وكان لا بد من أحدهما فالسجن آثر وأولى بالترجيح لان ما فيه من المشقة له فائدة عاجلة ، وعاقبة صالحة ، وأما مجاهدة هؤلاء النسوة مع المكث معهن ، فهو أشق على المؤمن العارف بربه ، وليس له من الفائدة والعاقبة ما للسجن ، فهو أي اسم التفضيل من قبيل قول المحدثين في بعض الأحاديث الضعيفة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 297 | الشيخ محمد رشيد رضا