يعهد له في الناس مثل ، إنه ليس بشرا مثلنا
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
أي ما هذا إلا ملك من الملائكة الروحانيين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تدهش الابصار وتخلب الألباب ( كما كان يصور لهم صناعهم الرسامون والنحاتون أرواح الملائكة والآلهة بالصور والتماثيل لتكريمها وعبادتها ) وأحسن كلمة رويت في الآية عن مفسري السلف قول ابن زيد بن أسلم المدني : أعطتهن أترنجا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين ويأكلنه بالعسل ، فلما قيل له : اخرج عليهن خرج فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن ولا يحسبن الا أنهن يحززن الا ترنج قد ذهبت عقولهن مما رأين وقلن
( حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً )
ما هكذا يكون البشر ما هذا إلا ملك كريم ا ه ففسر قطع الأيدي بحزها والحز أقل ما يحدثه السكين كالفرض في الخشبة ، وهنا يتساءل المتسائلون :
ما ذا قالت لهن ، وقد غلب مكرها مكرهن ؟ وصار حالها وحالهن كما قال الشاعر :
أبصره عاذلي عليه * ولم يكن قبلها رآه
فقال لي لو عشقت هذا * ما لامك الناس في هواه
فظل من حيث ليس يدري * يأمر بالعشق من نهاء
* * *
32
قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
أي حينئذ قالت لهن ما يعلم شرحه من قرينة الحال ، لما جاء في التنزيل من ايجاز واجمال : إذا كان الامر ما رأيتن بأعينكن ، وما أكبرتن في أنفسكن ، وما فعلتن بأيديكن ، وما قلتن بألسنتكن ، فذلكن هو الامر البعيد الغاية الذي لمتنني فيه ، وأسرفتن في عذلي عليه ، إذ قلتن من قبل ما قلتن ، فالمشار اليه بكاف البعد هو أمر لومهن لها ، أو يوسف البعيد في حقيقته البديع في صورته عما تصورونه به ، فما هو عبراني أو كنعاني مملوك ، وخادم صعلوك ، قد شغف مولاته المالكة لرقه حبا وغراما ، فهي تراوده عن نفسه ضلالا منها وهياما ، بل هو أكبر من ذلك وأعظم ، هو ملك روحاني ، تجلى في شكل انساني ، أوتي