تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
والالتجاء اليه وطوى ذكره إيجازا
فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ
فلم يصب إليهن ، فيحتاج إلى جهاد نفسه لكفها عن الاستمتاع بهن ، وعصمه أن يكون من الجاهلين باتباع هواهن
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
المجيب لمن أخلص له الدعاء ، جامعا بين مقامي الخوف والرجاء
الْعَلِيمُ
بصدق ايمانهم ، وما يصلح من أحوالهم ، فعطف استجابة ربه له وصرف كيدهن عنه بالفاء الدالة على التعقيب وتعليلها بأنها مقتضى كمال صفتي السمع والعلم ، دليل على أن ربه عز وجل لم يتخل عن عنايته بتربيته ، اقصر زمن يهتم فيه بأمر نفسه ومجاهدته ، ومؤيد لقوله تعالى في أول سياق هذه الفتنة
( وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ )
* * * 35
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ
بدا هذه من البداء ( بالفتح ) لا من البدو المطلق ، أي ثم ظهر لهم من الرأي ما لم يكن ظاهرا من قبل ، ومنه كلمة سيدنا علي البليغة [ فما عدا مما بدا ] أي فما عداك وصرفك عما كنت فيه مما بدا لك الآن وكان خفيا عنك قبله ، ولذلك عطفت الجملة بثم التي تفيد الانتقال مما كانوا فيه إلى طور جديد بعد التشاور والتروي في الامر ، وضمير [ لهم ] يرجع إلى أهل دار العزيز وامرأته ومن يعنيه أمرهما كالشاهد الذي شهد عليها من أهلها ، والمراد بالآيات ما شهدوه واختبروه من الدلائل على أن يوسف انسان غير الأناسي التي عرفوها في عقيدته وايمانه وأخلاقه من عفة ونزاهة واحتقار للشهوات والزينة والإتراف المتبع في قصور هذه الحضارة ، ومن عناية ربه الواحد الأحد به كما يؤمن ويعتقد ، فمن هذه الآيات أن تفنن سيدته في مراودته لم يحدث أدنى تأثير في جذب خلسات نظره ، ولا في خفقات قلبه ، بل ظل معرضا عنها متجاهلا لها ، حتى إذا ما صارحته بكلمة [ هيت لك ] اقشعر جلده ، واستعاذ بربه ، رب آبائه الذين يفتخر باتباع ملتهم ، وعيرها بالخيانة لزوجها ( ومنها ) انها لما غضبت وهمت بالبطش به هم بمقاومتها والبطش بها وهي سيدته ، وما منعه من ذلك الا ما رأى من البرهان في دخيلة نفسا ، مؤيدا لما يعتقده من صرف ربه السوء والفحشاء عنه ( ومنها ) انها لما اتهمته
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 300 | الشيخ محمد رشيد رضا