تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
منعت شيئا فأكثرت الولوع به * أحب شيء إلى الانسان ما منعا
( قلنا ) نعم ان هذا مقتضى الطبع السليم كما أن رد ذات الجمال والنصب من ضعف الرجل أمام المرأة ، ولكن المراودة قلما تبلغ من هؤلاء حد الوقاحة في الصراحة فتكون منفرة ، وقد علمت أنها احتيال ومراوغة لتحويل الإرادة ، وان لنساء الأكابر في الأمصار التي أفسدتها الحضارة كيدا فيها وخداعا ، وإن لأستاذهن الشيطان مسالك من إغوائهن والاغواء بهن يخر أقوى الرجال تجاهها صريعا ، ولكن عباد اللّه المخلصين ليس له عليهم سلطان ، وعناية ربهم بهم تغلب غوايته ومكر النسوان ، وقد لجأ يوسف عليه السّلام إلى هذه العناية ، إذ عرض له كيد بضع نسوة من ذوات الجمال والمنصب لا بضاعة لهن إلا أبضاعهن ، فقال
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
يعني إن لم تحول عني ما ينصبنه لي من شراك الكيد ، ويمددنه من شباك الصيد ، لم أسلم من الصبوة إليهن ، وهي الميل إلى موافقتهن على أهوائهن ، يقال صبا يصبو صبوّا وصبوة إذا مال إلى اللهو وما يطيب للنفس من اتباع الهوى ، ومنه ريح الصبا وهي التي تهب على بلاد العرب من مشرق الشمس لان النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها ، حتى أن تغزل شعرائهم بها ليضاهي ، تغزلهم بعشيقاتهم رقة وصبابة ، ولا سيما إذا اقترنا وامتزجا كقول بعضهم :
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه * فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه * إذا هب كان الوجد أيسر خطبه
وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
أي من صنف السفهاء الذين تستخفهم أهواء النفس فيعملون السوء بجهالة وهي ما يخالف مقتضى الحلم والأناة ، أو مقتضى العلم والحكمة ، فان من يعيش بين أمثال هؤلاء النسوة الماكرات المترفات مثلي لا مفر له من الجهل الا بعصمتك وحفظك بما هو فوق الأسباب المعتادة ، وهذا نص صريح منه ( ع . م ) بأنه ما صبا إليهن ، ولا أحب أن يعيش معهن ، وإنما بين مقتضى الاستهداف لكيد هؤلاء النساه ، وسأل ربه أن يديم له ما عوده في قوله
( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ )
* * * 34
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ
ما دعاه به وطلبه منه الذي دل عليه هذا الابتهال