تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ونظرة المحبوب للمحب * واللّه عن انسان عين القلب
وأما الخالي فلا يكاد يسلم من تأثير التحبب في استمالته كما قالت علية بنت المهدي العباسي * تحبب فان الحب داعية الحب * فالحب أقوى غرائز البشر ، وأكبر ما يفتن الرجال بالنساء والنساء بالرجال ، وان من الحب لصادقا وكاذبا ، وان من العشق لعذريا عفيفا ، وشهويا فاسقا ، وان مفاسده في الحضارة لكبيرة ، وان فتنه لعظيمة ، وسنعقد له فصلا في باب العبرة بالقصة في اجمال تفسير السورة
وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ
به ، أقسم لكن آكد الايمان ، ولتسمع ذلك منه الاذنان
لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ
أي الأذلة المقهورين ، تعني ان زوجها العزيز يعاقبه بما تريد من إلقائه في السجن وهو المدبر له المتولي لأمره ، ومن جعله كغيره من العبيد بعد تكريم مثواه وجعله كولده ، وهذا أشد مما أنذرته أولا إذ قالت لزوجها عند التقائهما به لدى الباب
( ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ )
هنالك أنذرته أحد العقابين : سجن غير مؤكد ، أو عذاب أليم نكرة غير معرف ، قد يكون ذلك السجن المطلق بأخف صوره وأقلها ، والعذاب المنكر بأهون أنواعه وألطفها ، فذاك يحبسه في حجرة من الدار ، وهذا بلطمة يحتدم بها ما في خديه من الاحمرار ، وهنا أنذرته الجمع بينهما ، وأكدت السجن بالقسم وبنون التوكيد الثقيلة ، وفسرت العذاب بالصغار الذي تأباه الا نفس الكبيرة ، واكتفت فيه بالنون الخفيفة « 1 » وهو أشق على مثل يوسف من العذاب الأليم بالاعمال الشاقة ، لأنها أهون على كرام الناس من الهوان والصغار باحتقار النفس ، وفعله صغر كتعب ، وأما صغر كضخم فهو خاص بصغر الجسم ، ومن الأول قوله تعالى ( 9 : 28
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
) وفي هذا التهديد من ثقة هذه المرأة بسلطانها على زوجها الوزير الكبير على علمه بأمرها ، واستعظامه لكيدها ، ما حقه أن يخيف يوسف من تنفيذ إرادتها ، ويثبت عنده عدم غيرته عليها ، كما هو شأن كثير من الوزراء المترفين ، ولا سيما العاجزين عن
هامش
( 1 ) وكتبت في المصحف الامام ( وليكونا ) بالألف ( كنسفعا ) على حكم الوقف لشبهها بالتنوين
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 296 | الشيخ محمد رشيد رضا