تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
من روعة الجمال ما خلب ألبابكن في الوهلة الأولى من ظهوره لكن ، فما قولكن في أمري معه وافتتاني به ، وانما ترعرع في داري ، وبلغ أشده واستوى بين سمعي وبصري ، فأنا أشاهده في قعوده وقيامه ، ويقظته ومنامه ، وطعامه وشرابه ، وحركته وسكونه ، وأخلوبه في ليلي ونهاري ، فأراه بشرا سويا ، إنسيا لا جنيا ، وجسدا لا ملكا روحانيا ، فأتراءى له في زينتي ، وأعرض على نظره ما ظهر وما خفي من محاسني ، فيعرض عنها احتقارا ، فأتصباه بكل ما أملك من كلام عذب يخلب اللب ، ولين قول وخشوع صوت يرقق القلب ، فلا يصبو إليّ ، وأمد عيني إلى محاسنه جامعة فيهما كل ما يكنه قلبي من صبابة وشوق وخلاعة ، مع فتور جفن ، وانكسار طرف ، وطول ترنيق وتحديق ، فلا يرفع إلي طرفا ، ولا يميل نحوي عطفا ، بل تتجلى فيه الروح الملكية بأظهر مجاليها ، والعبادة الإلهية بأكمل معانيها ، أمثل هذا الملك القاهر يسمى عبدا طائعا ، ومثل هذه المرأة المقهورة تسمى سيدة مالكة ، تأمر بل تشير فتطاع ، وينكر عليها ان تراود فترد ، ثم تريد إظهار سلطانها فتعجز ؟ لقد انكشف القناع ، فلا أمر لمن لا يطاع
وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
أي استمسك بعروة عصمته التي ورثها عمن نشؤا عليها ، كأنه يطلب مزيد الكمال منها ههنا أقول : واللّه ما عجبي من يوسف أن راودته مولاته فاستعصم وأن قالت له
« هَيْتَ لَكَ »
فقال
« أَعُوذُ بِاللَّهِ »
فكم قال هذا من ليس له مقامه في معرفته باللّه ومراقبته للّه ، وقد روي أن رجلا راود أعرابية في ليلة ليلاء ، وقال إنه لا يرانا غير كواكب هذه السماء ، فقالت وأين مكوكبها ؟ وإنما عجبي بل اعجابي بيوسف عليه السّلام أن نظره إلى اللّه أو نظر اللّه اليه لم يدع في قلبه البشري مكانا خاليا لنظرات هذه العاشقة التي شغفها حبا ، لتعبيها له قبل أن يخونها صبرها فتنفره بمصارحتها ، وان من أقوى غرائز البشر حب الانسان لمن يعتقد أنه يحبه ، وان كان مشغول القلب عنه بحب من لا يحبه ، كما قيل