تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
يشردوا به بعيره في العقبة منصرفه من غزوة تبوك ، فلم ينالوا مرادهم عجزا منهم وحفظا من ربه له صلّى اللّه عليه وسلّم وفي معناه قوله تعالى له
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ )
ولكنه قدم هنا لولا فكان دليلا على أنهم فكروا في ذلك وما قاربوا وقال في بعض المؤمنين
( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا )
أي تتركا المضي مع الرسول للقتال يوم أحد جبنا واتباعا لعبد اللّه بن أبيّ ومن معه من المنافقين ، ولكن غلب عليهما داعي الايمان فلم تفشلا وهو المعبر عنه بقوله تعالى
( وَاللَّهُ وَلِيُّهُما )
فرجحتا المانع من الفشل بالمقتضي للجهاد وفي المسند والصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هم أن يأمر رجلا يصلي بالناس ثم يأمر من يحرق على المتخلفين عن صلاة الجمعة بيوتهم - وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي « ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم » يعني صلّى اللّه عليه وسلّم انهم يستحقون هذا حتى كاد يفعله ولكنه امتنع ترجيحا للمانع على المقتضى إذا علم هذا فمن الجلي أنه لا يصح تفسير
( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ )
بهذا المعنى الذي أثبتناه بشواهد الكتاب والسنة الا بما قررناه ، وان ما قاله الجمهور باطل لمخالفته له ، بل للغة القرآن وهدايته ، وإنما خدعتهم به الروايات الباطلة ، وبيانه من وجوه ( أولها ) ان الهم لا يكون الا بفعل للهام والوقاع ليس من أفعال المرأة فتهم به وإنما نصيبها منه قبوله ممن يطلبه منها بتمكينه منه ، وهذا التمكين هو الذي يثبت به دخول الزوجية الذي تستحق فيه المرأة النفقة من زوجها كما هو مقرر في الفقه ( ثانيها ) أن يوسف عليه السّلام لم يطلب من امرأة العزيز هذا الفعل فيسمي قبولها لطلبه ورضاها بتمكينه منه هما لها ، فان نصوص الآيات قبل هذه الآية وبعدها تبرئه من ذلك بل من وسائله ومقدماته أيضا ، ( ثالثها ) لو أن ذلك وقع لكان الواجب في التعبير عنه ان يقال : « ولقد هم بها وهمت به » لان الأول هو المقدم بالطبع والوضع وهو الهم الحقيقي ، والهم الثاني متوقف عليه لا يتحقق بدونه ( رابعها ) أنه قد علم من القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبا جازما مصرة عليه ليس عندها أدنى تردد فيه ولا مانع منه يعارض المقتضي له ، فاذن