والواصل إلى غايته مرادا ، أي مجتبى مختارا ، وهو لا يكون على كماله الا لأصحاب الايمان اليقيني الوجداني ، ومن ذاق عرف ، ومن حرم انحرف ، كما قال استاذنا في رسالة التوحيد ، ولقد عجبنا أن أنكر علينا بعض المحرومين عن هذا ممن نعدهم بحق من الصالحين قولنا في المقصورة الرشيدية فيمن امتنع من رقية صدر فتاة حسناء :
أتت فتى خاف مقام ربه * ما زال ينهى نفسه عن الهوى
لم يقترف فاحشة قط ولم * يعزم ولا همّ بها ولا نوى
بغرة منها وصفو نية * في معزل تشهيه أقصى ما اشتهى
مما يمنيه به شيطانه * من حيث لا يطمع منه في خنا
لكنه استعصم راويا لها * ما امر اللّه به وما نهى
إذ ظن المنكر فيه انه فضل نفسه على يوسف عليه السّلام ، وأين هذا من ذاك « * »
وجملة القول إن أعظم مزايا البشر في قوة الإرادة فلو لاها لكان الانسان كالحيوان الأعجم عبد الطبيعة ، ولذلك كانت المراودة احتيالا لتحويل الإرادة وجعلها خاضعة للمراود ، وإنما يظفر فيها من كانت إرادته أقوى ، وفوق ذلك عناية اللّه تعالى ( فتأمل وتدبر )
فإذا كان في أهل الإباحة والحرية المطلقة من تملك إرادتها ولا تلين لمراودها ، ولا يغريها المال وهو المعبود الأكبر لأمثالها في بلادها ، فيحملها على نقض عهدها في مثل تلك الخلوة وذلك التجرد بين يدي مصورها ، ولقد كان من أجمل الشباب ، وأبرعهن في تصبي النساء ، أفيكثر أو يستغرب في رأي أولئك الرواة أن يكون يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم في وراثته الفطرية والأدبية ومقام النبوة عن آبائه الأكرمين ، وما اختصه به ربه وكونه هو الغالب على أمره من تربيته وعنايته ، وما شهد له به من العرفان والاحسان والاصطفاء ، وما صرف عنه من دواعي السوء والفحشاء ، وما قص علينا من شهادة تلك المرأة له على نفسها بقولها
( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ )
أي استمسك بعروة العصمة الوثقى التي لا انفصام لها ، ثم ما شهد له به صواحبها من المراودات من قولهن ( حاش للّه ما علمنا عليه
هامش
( * ) راجع هذه المسألة في ص 545 من جزء التفسير التاسع وما قبلها وما بعدها