وتعليم اللّه التأويل ليوسف إيتاؤه إلهاما وكشفا للمراد منها أو فراسة خاصة فيها ، أو علما أعم منها ، كما يدل عليه قوله الآتي لصاحبي السجن ( 12 : 36
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
) روي عن ابن زيد أنه قال في تأويل الأحاديث : تأويل العلم والحلم وكان يوسف من أعبر الناس ، وقال الزجاج تأويل أحاديث الأمم السالفة والكتب المنزلة
زعم الزمخشري وتبعه مقلدوه ان هذه الجملة كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته عليك وبنى هذا على ما فهمه من دلالة الرؤيا على الاجتباء فقط ، وما هذا الفهم إلا من تأثير قواعد النحو ، والذي نجزم به ان يعقوب عليه السّلام فهم من هذه الرؤيا فهما مجملا كل ما بشر به ابنه رائيها ، وأما كيد اخوته له إذا قصها عليهم فقد استنبطه استنباطا من طبع الانسان ، وعداوة الشيطان . فلما حذره من الاستهداف لذلك بإثارة حسدهم ، قفى عليه ببشارته بما تدل عليه الرؤيا من اجتباء ربه الخاص به ، ومن تأويل الأحاديث وهو الذي سيكون وسيلة بينه وبين الناس إلى رفعة قدره وعلو مقامه ، فهو معطوف على الاجتباء مشترك معه في البشارة
ثم عطف عليه
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
بالنبوة والرسالة والملك والرياسة
وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
وهم أبواه وإخوته وذريتهم ( وأصل الآل أهل بدليل تصغيره على أهيل ، وهو خاص في الاستعمال بمن لهم شرف وخطر في الناس كآل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وآل الملك ويقال لغيرهم أهل ) باخراجهم من البدو ، وتبوئهم المقام الكريم بمصر ، ثم بتسلسل النبوة في أسباطهم إلى أجل معلوم
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
أي من قبل هذا العهد أو من قبلك
إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ
هذا بيان لكلمة أبويك وهما جده وجد أبيه ، وقدم الأشرف منهما ، وهذا الاستعمال مألوف عند العرب وغيرهم وكانوا يقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا ابن عبد المطلب بل قالها هو أيضا ، وهذا التشبيه مبني على ما كان يعلمه يعقوب من وعد اللّه لإبراهيم باصطفاء آله ، وجعل النبوة والكتاب في ذريته ، وانما علم من رؤيا يوسف انه